الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

إيران بين مكاشفة الرئاسة وقبضة الحرس: الحصار المالي وسيناريوهات الصمود والتآكل

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ أكرم محود

إيران خلال الفترة الأخيرة تحولات سياسية واقتصادية متسارعة وغير مسبوقة، تجلت في خروج الخطاب السياسي الرسمي عن مساره التقليدي الحذر والمبني في الأدبيات السابقة على إظهار الصلابة المطلقة وتجاهل الأزمات، إلى مرحلة الصراحة والمكاشفة والاعتراف العلني بحجم الضائقة المالية والمعيشية التي تخنق البلاد.

وجاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لتعبر بوضوح عن حجم الوجع والألم الاقتصادي الذي يصيب بنية الدولة والمجتمع، في وقت يستمر فيه الحرس الثوري والمؤسسات الحاكمة والصلبة في التمسك بخطاب الردع العسكري وإظهار التماسك الخارجي، مما كشف عن تباين عميق في الرؤى والأولويات بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسات العسكرية والتنفيذية.

إن المقاربة التي ينتهجها بزشكيان لا تعبر بأي حال من الأحوال عن رغبة في تحريض الشارع على التظاهر أو الخروج ضد النظام السياسي قائم الذات، بل تتأطر ضمن محاولة أعمق لامتصاص الغضب الشعبي المتراكم وتخفيف سقف التوقعات لدى المواطنين. فالرئيس، باعتباره مديراً للحكومة التنفيذية، يتحرك في النهاية تحت سقف شرعية مرشد الثورة ولا يمكنه الخروج عن الحدود السيادية للنظام. ويهدف هذا الخطاب الصريح والمباشر إلى إيجاد تمهيد سياسي وشعبي لقرارات تقشفية قاسية ومؤلمة، مثل رفع الدعم عن الوقود وزيادة أسعار السلع الأساسية، عبر التوضيح بأن الخيارات الاقتصادية المتاحة أمام الدولة باتت معدومة تقريباً. كما يمثل هذا السلوك ممارسة لضغط غير مباشر على المؤسسات الأمنية والعسكرية، مفاده أن الاستمرار في النهج الحالي وتجاهل الضغوط قد يؤدي إلى انفجار مجتمعي يهدد تماسك السلطة برمتها.

غير أن فرص نجاح هذه السياسة الشفافة تبدو محدودة للغاية على المدى البعيد في ظل الواقع الإيراني المعقد. فالرئيس يجد نفسه دائماً في مأزق مزدوج؛ فهو يعترف بالمشكلة ويكاشف الشارع بأبعادها ولكنه لا يملك الأدوات التنفيذية والسياسية لحلها، كون القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالسياسة الخارجية والملفات العسكرية والبرامج السيادية تقبع حصرياً في يد المرشد والحرس الثوري. وتؤكد التجارب التاريخية للرؤساء الإصلاحيين والمعتدلين في إيران، أمثال محمد خاتمي وحسن روحانی، أن الاصطدام بنواة الحكم الصلبة كان ينتهي دوماً بتهميش الرئيس أو تقييد صلاحياته أو إقصائه كلياً من المشهد السياسي بمجرد انتهاء ولايته، حيث يُستخدم الخطاب الإصلاحي كمرحلة امتصاص مؤقتة للصدمات دون السماح له بتغيير قواعد اللعبة الإستراتيجية الحاكمة.

وعلى الجانب الآخر، تفرض التطورات الدولية وحزم العقوبات المتتالية واقعاً في غاية القسوة على كافة مفاصل الاقتصاد الإيراني. فالعقوبات المشددة والآليات الأمريكية الحازمة الموجهة لتجريف منابع التمويل، والتصريحات المصاحبة لها، تستهدف خنق الممرات المالية البديلة وشبكات المصارف الإقليمية في المنطقة وصولاً إلى شرق آسيا. ولم تعد هذه الإجراءات تقتصر على منع الشحنات النفطية الكبرى، بل تعدتها لتصل إلى تجفيف قنوات التبادل غير الرسمي وتكبيل المؤسسات المالية والمصرفية التي كانت تسهل مرور التجارة عبر المنافذ البرية أو أسطول الظل في البحار.

أمام هذا الحصار المالي والبحري المشدد، تضيق بدائل التكيف والتملص أمام طهران بشكل غير مسبوق. وإن كانت إيران تعتمد في السابق على أسواق الوساطة ومبادلات المقاصة مع بعض الدول الإقليمية لتأمين النقد والاحتياجات، فإن التشديد الحالي يقلص فائدة هذه المسارات إلى الحد الأدنى ويمارس ضغطاً على الشركاء التجاريين. وتبقى الرئة الوحيدة الشبه آمنة هي الممر الشمالي عبر بحر قزوين باتجاه روسيا، وهو مسار مغلق جغرافياً لا تصل إليه أدوات الرقابة البحرية الدولية. أما الاعتماد على المنافذ البرية الممتدة مع دول الجوار كالعراق وتركيا، فيواجه بدوره ضغوطاً متزايدة وحذراً شديداً من تلك الدول خوفاً من فرض عقوبات ثانوية على مؤسساتها المالية والمصرفية، باستثناء بعض الاستثناءات الحيوية كملف الطاقة المتداخل مع الاستقرار الإقليمي لمحيطها.

تؤدي هذه المعطيات المركبة إلى استنتاج مفاده أن إيران باتت تمر في حالة من الانسداد الاستراتيجي الشامل. فالتعافي الاقتصادي التام وإحراز نمو حقيقي غدا أمراً غير متاح بالمعطيات الراهنة، والمسار المرجح هو الانتقال إلى حالة التآكل الهيكلي وإدارة البقاء عبر اقتصاد التقشف الصارم. وسيجبر هذا الوضع الدولة على التوسع في استخدام نظام البطاقات التموينية وتوزيع المواد الأساسية بالحد الأدنى لحفظ الحياة، بينما ينكمش مستوى المعيشة للطبقات الوسطى والفقيرة بشكل حاد وتتلاشى القدرة الشرائية للعملة الوطنية.

وفيما يتعلق بإمكانية صمود النظام السياسي واستمراره، فإن التجارب التاريخية في العلوم السياسية تشير إلى أن الأنظمة التي تمتلك بنية أيديولوجية عقائدية وأجهزة أمنية صارمة لا تسقط بمجرد تدهور الأوضاع المعيشية للجماهير، طالما بقيت القوة الصلبة كالحرس الثوري وقوات التعبئة متماسكة ومستفيدة من الموارد المتبقية للدولة. غير أن مهددات الصمود الحقيقية تكمن في ثلاثة عوامل رئيسية: أولها لحظة الانتقال القيادي وما قد يرافقها من صراعات داخلية على توزيع السلطة والتأثير، وثانيها تراجع هيبة الردع الخارجي في حال تعرضت البنية العسكرية لضربات نوعية كاشفة، وثالثها حالة الإنهاك الأمني المستمر الناتجة عن تكرار الاحتجاجات الشعبية وتوسعها على مساحات جغرافية متعددة في وقت واحد.

ولا يقتصر أثر هذا الضغط الشامل على الداخل الإيراني فحسب، بل يمتد بشكل مباشر وسريع إلى الأذرع والتنظيمات الإقليمية المتحالفة مع طهران ضمن ما يسمى محور المقاومة. إذ يؤدي تراجع التدفقات المالية بالعملة الصعبة وصعوبة نقل الإمدادات اللوجستية إلى انكماش قدرة هذه الجماعات على تمويل أنشطتها ومؤسساتها التابعة ورعاية بيئتها الاجتماعية. ونتيجة لذلك، ستضطر هذه الأذرع إلى التكيف عبر فرض المزيد من الضرائب والرسوم على المجتمعات المحلية في مناطق نفوذها لتغطية العجز، مما يزيد من حالة المحاسبة والاحتقان الشعبي ضدها. وتتحول هذه الجماعات تدريجياً من استراتيجية التمدد والهجوم إلى استراتيجية الانكفاء والدفاع عن البقاء، في ظل غطاء سياسي ومالي إيراني يواجه أشد أزماته.

إن إيران تقف اليوم عند مفترق طرق حرج ومفصلي في تاريخها الحديث؛ فإما قبول حالة التضخم المرتفع والتآكل الاقتصادي المستمر والتراجع الإقليمي، وإما المجازفة بالذهاب نحو تصعيد عسكري ميداني في الممرات البحرية أو الحدود الإقليمية لكسر حلقة الحصار وفرض معادلة تفاوضية جديدة، وهو خيار ينطوي على مخاطر كبرى على استقرار المنطقة برمتها.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...