الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
32.4 C
Beirut

في ذكراه الإمام موسى الصدر: ما له وما عليه!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ حسين قاسم

يصعب تناول تجربة الإمام موسى الصدر بموضوعية إذا انطلقنا من صورتين شائعتين ومتناقضتين: صورة الإمام الوحدوي الذي أنقذ شيعة لبنان من الحرمان دون أي شائبة، أو صورة رجل الدين الإيراني الذي جاء لتنظيم الشيعة وإقحامهم في الصراع الطائفي.
الحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً؛ فقد قاد الصدر نهضة اجتماعية وسياسية حقيقية، لكنه أسهم أيضاً في نقل الشيعة من التهميش إلى التنظيم الطائفي المسلّح، بكل ما حمله هذا التحول من مكاسب ومخاطر بعيدة المدى. فضلاً عن أن توقيت وصوله إلى لبنان، في ذروة الحرب الباردة، منح حراكه بعداً آخر؛ تمثّل في الحد من تمدد الفكر اليساري داخل الوسط الشيعي.
وفي هذا السياق، لا يتوفر دليل حاسم يثبت أن شاه إيران هو من اختاره وأرسله مبعوثاً سياسياً إلى لبنان. لكن نفي هذه الرواية القاطعة لا يعني إنكار العلاقات التي نشأت لاحقاً بين الصدر وطهران؛ إذ رأى نظام الشاه في شيعة لبنان فرصة لتوسيع نفوذه، وحاول الاستفادة من صعود الصدر، مثلما حظيت مؤسسات الصدر بأشكال متعددة من الدعم الإيراني.
مع ذلك، لم تكن تلك العلاقة تبعية مطلقة؛ فقد راقبت أجهزة الاستخبارات الإيرانية (السافاك) تحركات الصدر، وازدادت شكوكها فيه بسبب صلاته بشخصيات إيرانية معارضة للشاه، مثل مصطفى شمران وصادق قطب زاده. لذلك، يبدو من الأدق القول إن الصدر لم يأتِ بقرار مباشر من الشاه، وإن كان النظام الإيراني قد رحّب بوجوده في بعض المراحل، وحاول دعمه واستثمار نفوذه.
وصل الصدر إلى لبنان في وقت كان الشيعة يعانون فيه فقراً شديداً، وتهميشاً في التمثيل السياسي والخدمات العامة، ولا سيما في الجنوب والبقاع. فكانت قرى كثيرة تفتقر إلى المدارس والمستشفيات والطرق المعبّدة ومياه الشرب، في وقت احتكرت فيه عائلات سياسية تقليدية تمثيل الطائفة داخل النظام اللبناني.
ولم يكن الصدر أول من التفت إلى هذه الأوضاع؛ فقد سبقه علماء ومثقفون بارزون من جبل عامل (من عائلات آل الأمين، وآل إبراهيم، وشرف الدين، ومغنية) انتقدوا الإقطاع السياسي وإهمال الدولة للجنوب. كما استقطبت الأحزاب الشيوعية والقومية والناصرية أعداداً كبيرة من الشباب الشيعي؛ لأنها ربطت الفقر بالصراع الطبقي والنظام السياسي، لا بالانتماء المذهبي.
لكن الصدر امتلك ما لم يمتلكه معظم سابقيه: كاريزما لافتة، وبلاغة في الخطابة، وقدرة عالية على جمع التمويل وبناء المؤسسات، فضلاً عن شبكة علاقات واسعة داخل لبنان وخارجه. فلم يكتفِ بالوعظ، بل أنشأ ودعم مدارس ومراكز مهنية وجمعيات خيرية، وركّز على تعليم الفتيات والأيتام وتأهيل أبناء العائلات الفقيرة.
تمثّل التحول الأكبر في مشروع الصدر بإنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي انتُخب رئيساً له عام 1969. وكان تأسيس لبنان الكبير قد أدخل الشيعة سابقاً في نادي الطوائف المعترف بها، وأسس لهم محكمة جعفرية لأول مرة في تاريخهم.
وجاء تأسيس هذا المجلس استجابة لمطلب منطقي؛ فبينما كانت للطوائف اللبنانية الأخرى مؤسسات رسمية، كان الشيعة يفتقرون إلى مظلة موحدة تمثلهم أمام الدولة. وقد منح المجلس الشيعة اعترافاً رسمياً وصوتاً أقوى، لكنه نقل القيادة أيضاً من تعددية الحوزات والعلماء المحليين إلى مؤسسة مركزية يتصدرها رجل واحد. ومنذ ذلك الحين، جمع الصدر بين المرجعية الدينية، والتمثيل السياسي، والقيادة الجماهيرية.
لم يحظَ هذا التحول بإجماع كامل؛ إذ برزت اعتراضات وتحفظات من بعض علماء الشيعة على المجلس وعلى أسلوب بناء الزعامة الجديدة. وفي المقابل، تعاون معه علماء آخرون، كان أبرزهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي أصبح نائباً له ثم تولى رئاسة المجلس بعد تغييبه.
حتى إن ذيوع لقب “الإمام” ارتبط بهذا التحول؛ إذ أصبح الصدر في الوعي الشعبي أكثر من مجرد عالم أو رئيس مجلس، بل صار رمزاً جامعاً للطائفة، في وقت تراجع فيه حضور علماء آخرين من جبل عامل، ربما كانوا أعمق منه أثراً في الفقه والفكر.
أكمل الصدر مشروعه بتأسيس “حركة المحرومين” عام 1974، معلناً أنها تدافع عن جميع المحرومين دون تمييز طائفي. لكن الواقع كان مختلفاً؛ إذ بقيت القاعدة الاجتماعية والتنظيمية للحركة شيعية في معظمها. وهنا تكمن إحدى مفارقات تجربته: فقد انطلق من مشكلة اجتماعية حقيقية، هي حرمان الجنوب والبقاع، لكنه أعاد صياغتها تدريجياً لتصبح قضية الطائفة الشيعية وحدها.
وبدلاً من بناء حركة تجمع الفقراء والمهمشين من مختلف الطوائف، نشأت حركة ذات هوية شيعية خالصة، لها مجلسها وزعيمها ومؤسساتها. وقد ساعد هذا التحول الشيعة على كسر طوق التهميش، لكنه رسّخ في الوقت نفسه النظام الطائفي الذي كان هو المسؤول الأول عن حرمانهم.
ومن أبرز التحولات التي طرأت على مسار الإمام، ما جرى في مهرجان بعلبك الحاشد في 17 آذار 1974 حين أطلق شعاره الشهير: «السلاح زينة الرجال». جاء هذا الشعار قبل اندلاع الحرب الأهلية بأكثر من عام، وفي مناسبة كان هدفها الأساسي الاحتجاج على إهمال الدولة للجنوب والبقاع. وبذلك، دخلت حركة الصدر رسمياً نادي القوى المستعدة للمواجهة العسكرية المنتظرة.
لاحقاً، دافع الصدر وأنصاره عن هذا الشعار بالقول إن المقصود به هو السلاح الموجه ضد إسرائيل. وأكد في مواقف عدة أن السلاح في وجه العدو يختلف عن السلاح الموجه إلى الصديق والجار. ومع ذلك، فإن وضع العبارة في سياقها التاريخي يوضح أنها حملت أيضاً رسالة ضغط قوية إلى السلطة؛ مفادها أنه إذا لم تستجب الدولة للمطالب، فإن الجماهير قد تنتزع حقوقها بالقوة. وبالفعل، أعقب هذه التعبئة الجماهيرية إنشاء جناح عسكري عُرف باسم «أفواج المقاومة اللبنانية – أمل»، والذي انكشف وجوده علناً بعد انفجار معسكر تدريبي للحركة في بلدة “عين البنية” بالبقاع عام 1975.
انضم الصدر إلى جبهة المنتقدين لعجز الدولة عن حماية الجنوب من الاعتداءات الإسرائيلية. ورغم أن لبنان كان آنذاك يغصّ بالأحزاب والتنظيمات المسلحة، ولم تكن “أمل” أول سلاح يظهر خارج إطار الشرعية، فإن وجود السلاح لدى الآخرين لا يعفي الصدر من مسؤولية تبني المنطق ذاته: بما أن الدولة عاجزة والجماعات الأخرى مسلحة، فلا بد للطائفة الشيعية من امتلاك قوتها الخاصة.
ينطوي هذا المنطق على تناقض عميق؛ ففي الوقت الذي تطالب فيه الجماعةُ الدولةَ بحمايتها، تُنشئ القوةَ الموازية التي تنازع السلطة احتكارها للسلاح، مما يضاعف عجز الدولة ويدفع بقية الأطراف إلى مزيد من التسلح.
وكان بمقدور الصدر، بما يمتلكه من شعبية جارفة ومؤسسات فاعلة وعلاقات واسعة، أن يقود نضالاً سلمياً شاملاً عبر صناديق الاقتراع، والإضرابات، والمظاهرات، والنقابات، والعصيان المدني. وقد أثبت شخصياً من خلال اعتصامه وصيامه الشهير في مسجد الصفا عام 1975، أنه قادر على تحريك الشارع بأدوات سلمية مؤثرة؛ مما يعني أن خيار التنظيم العسكري لم يكن الملاذ الوحيد المتاح أمامه.
ومع ذلك، لا يمكن فصل الصدر تماماً عن البيئة السياسية التي مهدت للحرب؛ فقد دمج بين الدين والسياسة، ونظّم الشيعة ككتلة طائفية مغلقة، وأسس قوة مسلحة خارج إطار الدول. وهو بذلك أسهم ــ وإن بدرجات متفاوتة عن الآخرين ــ في تكريس القاعدة الذهبية التي حكمت لبنان عشية الحرب الأهلية: لكل طائفة مخاوفها، وزعيمها، ومؤسساتها، وسلاحها الخاص.
ما له وما عليه
يكمن الوجه الآخر لتجربة الصدر في تفاصيل لا تقل أهمية؛ فقد نقل قضية الحرمان ــ في جانب كبير منها ــ من إطارها الاجتماعي الوطني إلى إطار طائفي، وحصر التمثيل الديني والسياسي في شخصه، مما ساهم في تراجع استقلالية علماء جبل عامل، وصولاً إلى شرعنة حمل السلاح وتأسيس تنظيم عسكري خارج كنف الدولة.
ولم يكن موسى الصدر مجرد مصلح منزّه عن مسار الطائفية، كما لم يكن مجرد زعيم طائفي يتحمل وزر كل ما تلا تجربته. لقد كان زعيماً إصلاحياً كبيراً حاول إنصاف جماعة مهمشة، لكنه استخدم لتحقيق ذلك أدوات النظام الطائفي نفسه؛ فنجح في رفع مكانة الشيعة، دون أن ينجح في إخراجهم ــ أو إخراج لبنان ــ من دوامة الطوائف المتنافسة.
إن الحكم المتوازن على الرجل لا يكون بإنكار إنجازاته ولا بتقديسها، بل بفهم المفارقة التي طبعت مشروعه بأكمله: أعاد للمحرومين صوتهم، لكنه حوّل هذا الصوت إلى قوة طائفية؛ وطالب الدولة بالقيام بواجبها، لكنه ساهم في بناء سلطة مسلحة خارجها؛ ودعا إلى الوحدة والسلام، لكنه أطلق تعبئة جعلت السلاح جزءاً من الهوية السياسية الجديدة للطائفة.
وفي نهاية المطاف، يختلف موسى الصدر عن بقية زعماء الحرب في حجم مسؤوليته، وفي عدم ثبوت تورطه في المجازر الأهلية، لكنه لا يخرج تماماً عن المنظومة التي قادت لبنان إلى الانفجار؛ فقد كان ــ في الوقت ذاته ــ جزءاً من محاولة إصلاحها، وجزءاً من إعادة إنتاجها.
والأهم، بل والأخطر، أنه أنشأ نموذجاً جرى استنساخ جانب واحد منه بعد اختفائه، ثم جاء الفكر الخميني ليغلق كل الطاقات. فبعد انتصار الثورة الخمينية في إيران، وتصديرها إلى العالم العربي، وتحديداً إلى لبنان، فإن هذا النموذج المستنسخ أعاد الشيعة إلى ما قبل لبنان الكبير، وقضى على كل ما أنجزه الشيعة والإمام وحركته في آنٍ معاً.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...