الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
32.4 C
Beirut

حين يعترف قاليباف بالجوع ويحذر المرشد من الإحباط: هل أصبحت الأزمة الاقتصادية الخطر الأكبر على إيران؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد أرقام وإحصاءات عن انهيار الريال أو ارتفاع الأسعار، ولم يعد ممكناً النظر إليها فقط باعتبارها ثمناً مؤقتاً تدفعه إيران بسبب العقوبات الغربية.

ثمة شيء مهم تغير داخل إيران: لغة مسؤولي الدولة.

رئيس الجمهورية يتحدث عن حرب اقتصادية واسعة وعن تراجع كبير في التجارة الخارجية. رئيس البرلمان يحذر من أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا كان الناس جائعين. محافظ البنك المركزي يعترف بتراجع القدرة الشرائية وبالتضخم الخطير. المتحدثة باسم الحكومة تقول للإيرانيين إن عليهم ألا ينتظروا تحسناً سريعاً. والمرشد نفسه يتحدث عن التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار، وفي الوقت نفسه يحذر المسؤولين من التصريحات التي قد تزيد الإحباط وتضعف التماسك الاجتماعي.[1]

هذه ليست لغة اقتصاد يمر فقط بأزمة عادية.

إنها لغة دولة بدأت تدرك أن الجبهة الداخلية قد تصبح أخطر من الجبهة العسكرية.

الأرقام لم يعد ممكناً إخفاؤها

بحسب أحدث المعلومات المتاحة، وصل التضخم السنوي إلى نحو 66 في المئة، فيما بلغ الريال الإيراني مستويات شديدة الانخفاض أمام الدولار.[1]

مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإيرانية، تحدث بنفسه عن تراجع يقارب 35 في المئة في التجارة الخارجية الإيرانية، وربط ذلك بالعقوبات والحصار البحري والظروف المرتبطة بالحرب.[1]

كما تتعرض صادرات النفط، وهي أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لإيران، لضغوط كبيرة، خصوصاً بعد تشديد العقوبات على الشحن والبنوك والوسطاء والمشترين المرتبطين بتجارة النفط الإيراني.[2]

ويقدم البنك الدولي صورة أوسع، مشيراً إلى أن النشاط الاقتصادي الإيراني يتعرض لضغوط مستمرة نتيجة العقوبات والحرب وتراجع الاستثمار ومشكلات الطاقة والمياه وعوائق التجارة والنقل ومحدودية الوصول إلى التمويل الخارجي.[3]

لكن هناك نقطة مهمة لا ينبغي تجاهلها: ليست العقوبات والحصار وحدهما من صنعا الأزمة.

إيران تعاني في الوقت نفسه من عجز مزمن في الموازنة، ونظام دعم مكلف، وضعف الاستثمار، ومشكلات الكهرباء والطاقة والمياه، وهشاشة النظام المصرفي وسوق العملة.

العقوبات تضغط على الجرح، لكنها لم تصنع الجرح كله.

بزشكيان: اعتراف بالحرب الاقتصادية

لغة مسعود بزشكيان تستحق التوقف عندها. فهو لم يعد يتحدث فقط عن مقاومة العقوبات، بل يعترف بحجم تأثيرها في الاقتصاد، ويضع الوضع ضمن حرب اقتصادية إلى جانب الحرب العسكرية والأمنية.[1]

واعتراف رئيس الجمهورية بتراجع يقارب ثلث التجارة الخارجية شديد الأهمية.

فتراجع التجارة يعني عملات أجنبية أقل، وارتفاع تكلفة المواد الأولية، وزيادة أسعار السلع المستوردة، ومشكلات أكبر للمصانع، وضغطاً إضافياً على الريال.

وكل ذلك يصل في النهاية إلى مكان واحد: جيب المواطن الإيراني.

قاليباف قال العبارة الأخطر

لعل أهم التصريحات جاءت من محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى.

حذر قاليباف من أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا كان الناس جائعين، وإذا لم تكن هناك حركة اقتصادية ونمو وإنتاج وطني يسمح للدولة والمجتمع بالصمود.[5]

هذا الكلام لا يعني أن إيران وصلت إلى حالة مجاعة عامة، لكنه يحمل معنى سياسياً أكثر أهمية:

أحد أبرز أركان السلطة يعترف بأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع ضمان بقاء الدولة إذا انهارت قدرتها الاقتصادية والاجتماعية.

الصاروخ من دون اقتصاد لا يكفي.

والجيش من دون إنتاج لا يكفي.

والدولة التي تعجز عن حماية المستوى المعيشي لسكانها تصبح قدرتها على الصمود موضع سؤال.

همتي: الألم حقيقي… لكن الانهيار لم يقع بعد

عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي، أقر بوجود مشكلة جدية في التضخم والتراجع المستمر في القدرة الشرائية للإيرانيين.[6]

لكنه شدد أيضاً على أن تحمل المصاعب شيء، والوصول إلى انهيار اقتصادي كامل شيء آخر.

وهذه نقطة تفسر لماذا لا ينبغي انتظار انهيار سريع لإيران.

إيران ليست دولة بلا موارد. لديها النفط والغاز، وسوق داخلية كبيرة، وقاعدة صناعية، وعلاقات تجارية مستمرة مع الصين والعراق ودول أخرى، كما أنها تمتلك خبرة تمتد لعقود في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية.

لذلك قد تستطيع السلطة الصمود فترة طويلة.

لكن الصمود لا يعني عدم دفع الثمن.

السؤال الحقيقي هو: كم سنة يستطيع المجتمع تحمل التراجع المستمر في دخله الحقيقي ومستوى معيشته؟

وزير الاقتصاد: لدينا خطة لعامين

علي مدني زاده، وزير الاقتصاد، تحدث عن استعداد الحكومة لضغط اقتصادي طويل الأمد، وعن خطة تسمح لها بالتعامل مع العقوبات والضغوط لفترة تقارب عامين.[7]

العقوبات السابقة لم تتمكن من إيقاف الاقتصاد الإيراني بالكامل.

لكن السؤال ليس هل تستطيع إيران بيع برميل نفط بطريقة ما أم لا.

السؤال هو: بأي سعر؟ وبأي خصم؟ وبأي تكلفة للنقل والتأمين؟ وكيف تعود الأموال إلى إيران؟

المتحدثة باسم الحكومة: لا تنتظروا تحسناً سريعاً

أشارت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، إلى أن الإيرانيين لا ينبغي أن ينتظروا تحسناً سريعاً في الوضع الاقتصادي، كما جرى الحديث عن حساسية نشر بعض أرقام الفقر والظروف الاجتماعية.[8]

حين تصبح إحصاءات الفقر مسألة مرتبطة بالمخاوف الأمنية والسياسية، فهذه بحد ذاتها إشارة مهمة.

لأن الدولة لا تخاف من الرقم؛ بل تخاف من الأثر السياسي والاجتماعي للرقم.

محسن رضائي: الاقتصاد جزء من معركة الأمن القومي

ينظر محسن رضائي إلى الاقتصاد باعتباره جزءاً مباشراً من الصراع، مؤكداً أن قوة إيران لا تقاس بالدفاع والدبلوماسية فقط، وإنما يشكل الاستقرار الاقتصادي والقدرة على الاستمرار تحت الضغط جزءاً أساسياً من الأمن القومي.[9]

وهنا تظهر الحلقة الأخطر:

عقوبات ← تصعيد إيراني ← رد أقسى ← عقوبات إضافية ← أزمة اقتصادية أعمق.

عباس عراقجي: العقوبات فشلت سابقاً وستفشل مجدداً

يؤكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن العقوبات الأميركية لم تتمكن في الماضي من تحقيق أهدافها السياسية، وأن سياسة «الضغط الأقصى» لم تنجح في إجبار إيران على الاستسلام.[10]

لكن علينا التمييز بين أمرين.

قد تفشل العقوبات في إسقاط النظام أو إجباره على استسلام سياسي، لكنها تستطيع في الوقت نفسه إلحاق أضرار هائلة بالاقتصاد وبالمستوى المعيشي للإيرانيين.

لذلك فإن العبارة الأدق هي:

قد تفشل العقوبات في تحقيق هدفها السياسي النهائي، لكنها تستطيع في الوقت نفسه جعل المجتمع أكثر فقراً والاقتصاد أكثر ضعفاً.

المرشد والخطر الداخلي

أهم أجزاء هذه الصورة يتمثل في خطاب المرشد مجتبى خامنئي.

فقد تحدث عن مشكلات التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار وتنظيم الأسواق والإنتاج المحلي، وطالب الحكومة بمعالجة هذه الملفات.[11]

لكنه في الوقت نفسه طلب من المسؤولين تجنب الخطاب الذي يمكن أن يزيد الإحباط أو يضعف التماسك الاجتماعي والمعنويات العامة.[11]

هنا تكمن خلاصة القضية.

المشكلة لم تعد اقتصادية فقط؛ إنها مشكلة ثقة.

ماذا يحدث إذا استمر هذا الوضع؟

السيناريو الأكثر واقعية ليس أن تنهار إيران غداً، وإنما أن تدخل في مرحلة استنزاف بطيء وعميق.

إذا استمرت العقوبات والحصار بالمستوى الحالي، فمن المتوقع أن يزداد الضغط على الريال، وأن يستمر التضخم، وأن تفقد الرواتب والمدخرات قيمتها، وأن يزداد الفقر، وأن تضعف الطبقات الوسطى أكثر.[3][4]

الخطر الثاني: اختفاء الطبقة الوسطى

تستطيع الدولة عبر الدعم والمساعدات حماية جزء من الفئات الأكثر فقراً.

كما يستطيع الأثرياء حماية جزء من ثرواتهم بالدولار والذهب والعقارات.

لكن الشخص الذي يدفع الثمن الأكبر غالباً هو الموظف وصاحب الراتب وصاحب المشروع الصغير وأبناء الطبقة الوسطى.

إذا كان التضخم يقارب 66 في المئة، فإن زيادة الرواتب بنسبة 20 أو 30 في المئة تعني عملياً انخفاضاً في الدخل الحقيقي.

وإذا استمر ذلك سنوات، فإن تركيبة المجتمع الإيراني نفسها ستتغير.

الخطر الثالث: الاحتجاج… ولكن ليس بالضرورة الثورة

من السهل القول إن الفقر يسقط الأنظمة، لكن التجارب لا تؤكد ذلك بصورة حتمية.

الفقر يمكن أن يولد الاحتجاج، لكنه قد يولد أيضاً الخوف والهجرة والانسحاب الاجتماعي وزيادة الاعتماد على الدولة.

لذلك لا يمكن القول إن الأزمة الاقتصادية ستتحول حتماً إلى ثورة.

لكن استمرار التضخم وتراجع القدرة الشرائية يوسعان القاعدة الاجتماعية لأي احتجاجات مستقبلية.

الخطر الرابع: الاقتصاد الأسود يصبح أقوى

كلما اشتدت العقوبات، ازدادت حاجة الدولة إلى الوسطاء والشركات الوهمية والتهريب وطرق الدفع البديلة.

قد يساعد ذلك إيران على البقاء، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يجعل المؤسسات والشبكات المرتبطة بالالتفاف على العقوبات أقوى من القطاع الخاص الطبيعي.

هل تدفع الأزمة إيران إلى التفاوض؟

كل الخطابات الرسمية في طهران تقول إن إيران لن تستسلم.

لكن الدول حين تتجه إلى طاولة المفاوضات لا تقول بالضرورة إنها هُزمت.

يمكن لإيران أن تستمر في خطاب الصمود، وفي الوقت نفسه تبحث عن اتفاق يحفظ ماء الوجه ويعيد جزءاً من صادرات النفط والتجارة.

لذلك قد لا تجبر الضغوط الاقتصادية إيران على الاستسلام، لكنها يمكن أن تجعل التفاوض أقل كلفة من استمرار المواجهة.

التحذير الأكبر

أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه القيادة الإيرانية اليوم هو اعتبار قدرة النظام على البقاء دليلاً على قدرة المجتمع على التحمل.

الدولة تستطيع الاستمرار.

الحرس الثوري يستطيع البقاء قوياً.

الصواريخ تستطيع البقاء في مخازنها.

مؤسسات الدولة تستطيع دفع الرواتب.

لكن المواطن، في الوقت نفسه، يستطيع أن يصبح أكثر فقراً شهراً بعد شهر.

المشكلة ليست فقط أن إيران قد تخسر حرباً عسكرية.

الخطر هو أن تدخل إيران في حرب استنزاف طويلة ضد اقتصادها ومجتمعها.

لذلك لا ينبغي انتظار «انهيار إيران».

ذلك استنتاج متسرع لا تدعمه الأدلة الحالية.

بل يجب مراقبة أسئلة أكثر أهمية:

هل تستطيع طهران وقف تراجع القدرة الشرائية؟

هل تستطيع إعادة صادرات النفط والتجارة إلى مستوى يمنح الاقتصاد متنفساً؟

هل تستطيع إصلاح الموازنة والدعم من دون تفجير الشارع؟

وهل تختار طريق التسوية والتفاوض قبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة وشرعية سياسية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد مستقبل إيران أكثر من عدد الصواريخ التي ما زالت في مخازنها.

فالأنظمة تستطيع الصمود طويلاً أمام الحصار.

لكن المجتمعات لها نقطة قصوى للتحمل؛ ولا أحد يعرف مسبقاً أين تقع هذه النقطة.

Notes

[1] Reuters، 29 آب/أغسطس 2026، تقرير حول تأثير الحرب والعقوبات على الاقتصاد الإيراني وتصريحات مسعود بزشكيان والقيادة الإيرانية.

[2] Reuters، 24 آب/أغسطس 2026، تقرير حول صادرات النفط الإيراني إلى الصين وتشديد العقوبات الأميركية على الشحن والمشترين ووسطاء النفط الإيراني.

[3] World Bank، Islamic Republic of Iran – Economic Outlook، 2026.

[4] World Bank، Global Economic Prospects، حزيران/يونيو 2026.

[5] RFE/RL – Radio Farda، 21 آب/أغسطس 2026، تصريحات محمد باقر قاليباف.

[6] تصريحات عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي، آب/أغسطس 2026.

[7] تصريحات علي مدني زاده، وزير الاقتصاد، 24 آب/أغسطس 2026.

[8] تصريحات فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، آب/أغسطس 2026.

[9] تصريحات محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، آب/أغسطس 2026.

[10] تصريحات عباس عراقجي، وزير الخارجية، آب/أغسطس 2026.

[11] تصريحات مجتبى خامنئي، 28 آب/أغسطس 2026، بشأن التضخم والبطالة والأسعار والإنتاج المحلي والحفاظ على التماسك الاجتماعي

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

حادث مأساوي في سنندج وعبد الله مهتدي يعزّي الضحايا

أخباركم - أخبارنا كتب عبد الله مهتدي، سكرتير حزب كومله الكردستاني، عبر صفحته على...

تركيا في قلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين إيران وإسرائيل وروسيا والغرب ومستقبل الكرد والعرب

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك على هامش صراعات...