أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
هناك من يمرّ في السياسة فتحتفظ الذاكرة بأسمائهم، وهناك من تصبح حياتهم نفسها جزءاً من تاريخ قضية وشعب. مهدي زانا كان من الصنف الثاني.
برحيله في 29 آب/أغسطس 2026، لا يودّع الكرد رئيس بلدية سابقاً أو كاتباً وسياسياً فحسب، بل يودّعون واحداً من رجال جيل حمل القضية الكردية في تركيا في زمن كان مجرد التعبير العلني عن الهوية الكردية مكلفاً، ودفع من سنوات عمره ثمناً لمواقفه.
ولد مهدي زانا في 20 كانون الأول/ديسمبر 1940 في سيلفان – فارقين، التابعة لدياربكر/آمد. لم تأتِ بدايته من الجامعات ولا من بيوت السياسة والنفوذ. ترك الدراسة مبكراً وعمل خياطاً، لكن دكان الخياطة الصغير تحول مع الوقت إلى مساحة يلتقي فيها الناس والأفكار، ومنها بدأ الشاب الكردي يقترب من السياسة ومن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والهوية وحقوق شعبه.
في عام 1963 انضم إلى حزب العمال التركي (TİP)، وشارك في تأسيس فرعه في سيلفان وتولى رئاسته فترة من الزمن. ثم ارتبط نشاطه بالحراك الثقافي والسياسي الكردي الصاعد، ومنه جمعيات الشرق الثقافية الثورية (DDKO)، التي شكّلت محطة مهمة في تطور الوعي والتنظيم السياسي الكردي في تركيا.
لكن المحطة التي ستجعل اسم مهدي زانا جزءاً من التاريخ السياسي لآمد جاءت عام 1977.
دخل الانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً، وفاز برئاسة بلدية دياربكر. لم يكن الأمر مجرد انتقال رجل من دكان خياطة إلى مكتب رئيس بلدية. كان صعود ابن فارقين الكردي إلى رئاسة واحدة من أهم مدن كردستان تركيا يحمل دلالة سياسية تتجاوز حدود الإدارة المحلية.
كان ذلك إعلاناً بأن الكرد قادرون على نقل صوتهم من الشارع إلى صندوق الاقتراع، ومن الهامش إلى مؤسسة منتخبة.
ولهذا لا يمكن قراءة تجربة مهدي زانا في البلدية بمعزل عن زمنها. كانت تركيا تعيش اضطراباً سياسياً حاداً، فيما كانت القضية الكردية تدخل مرحلة جديدة من التنظيم والتعبير السياسي. وفي قلب هذه التحولات كان زانا يحاول أن يجعل من البلدية مؤسسة قريبة من هوية المدينة وأهلها.
ثم جاء انقلاب 12 أيلول/سبتمبر 1980.
سقطت السياسة تحت جنازير الدبابات، وأُقيل مهدي زانا واعتُقل. ومن هنا بدأت المرحلة الأكثر قسوة في حياته.
دخل سجن دياربكر العسكري رقم 5، ذلك الاسم الذي سيبقى مرتبطاً في الذاكرة الكردية بواحدة من أشد المراحل قسوة بعد انقلاب 1980. ولم يكن زانا مجرد عابر في السجون؛ فقد أمضى، عبر مراحل مختلفة، نحو ستة عشر عاماً من حياته خلف القضبان، منها قرابة أحد عشر عاماً متواصلة بعد الانقلاب.
تنقّل بين سجون دياربكر وأيدن وأفيون وإسكي شهير.
يمكن للدولة أن تنتزع من الإنسان منصبه وحريته وسنوات من عمره، لكنها لا تستطيع دائماً انتزاع روايته.
وهذا تحديداً ما فعله مهدي زانا.
خرج من تجربة الاعتقال وهو يحمل ذاكرة السجن معه، وحوّل جانباً منها إلى كتابة وشهادة. أصدر أعمالاً من بينها «انتظري يا دياربكر» (Bekle Diyarbakır)، وكتاباً عن تجربته في زنازين دياربكر «يوميات الوحشية – من سجون دياربكر» (Vahşetin Günlüğü – Diyarbakır Zindanlarından)، ثم أعمالاً أخرى من بينها Sevgili Leyla – Uzun Bir Sürgündü O Gece وZelâl Yeniden Doğuş.
لذلك كان زانا أكثر من سياسي سُجن؛ كان شاهداً كتب ما عاشه كي لا تصبح ذاكرة السجين ملكاً للسجّان وحده.
وفي حياته كانت هناك أيضاً ليلى زانا.
تزوجا عام 1975، قبل أن تصبح ليلى لاحقاً واحدة من أشهر الوجوه السياسية الكردية في تركيا والعالم. وعندما دخلت البرلمان التركي، ثم دفعت هي الأخرى ثمن موقفها السياسي سنوات من السجن والملاحقة، أصبحت قصة الزوجين أكبر من قصة عائلة.
كانا صورتين لجيلين متداخلين من النضال الكردي: مهدي في البلدية والسجن والكتابة، وليلى في البرلمان والسجن والمنابر الدولية.
لم تكن حياتهما سهلة، ولم يكن النضال بالنسبة إليهما شعاراً يُرفع في المناسبات. دخل إلى البيت، وفرّق العائلة، وأخذ سنوات من العمر، وفرض السجون والمنفى.
وفي منتصف التسعينيات عاش مهدي زانا سنوات في السويد، قبل أن يعود إلى تركيا عام 2004. وكأن الرجل الذي أخذته السياسة من فارقين إلى آمد، ومن البلدية إلى الزنزانة، ومن السجن إلى المنفى، كان مصراً في النهاية على العودة إلى الأرض التي بدأت منها حكايته.
واليوم انتهت الرحلة.
توفي مهدي زانا عن 85 عاماً بعد معاناة مع مرض الانسداد الرئوي المزمن، وشُيّع في دياربكر بحضور عائلته وليلى زانا وشخصيات سياسية وممثلين عن الحركة والمؤسسات الكردية.
لكن الرجال الذين عاشوا مثل هذه الحياة لا يُقاس رحيلهم بعدد المشيعين.
يقاس بما يتركونه خلفهم.
ومهدي زانا ترك شيئاً يصعب اختصاره: ترك صورة الرجل الذي بدأ خياطاً وانتهى جزءاً من التاريخ السياسي لشعبه؛ والرئيس المنتخب الذي أصبح سجيناً؛ والسجين الذي أصبح كاتباً؛ والمنفي الذي عاد؛ والكردي الذي مرّت فوق جسده تحولات نصف قرن تقريباً من تاريخ القضية الكردية في تركيا.
ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يقال في وداعه ربما لا يحتاج إلى كثير من البلاغة:
رحل مهدي زانا، لكنه لم يهزم.
أخذ السجن سنوات من عمره، لكنه لم يأخذ منه ذاكرته.
أخذ الانقلاب منه بلديته، لكنه لم يمحُ حقيقة أن الناس أوصلوه إليها بأصواتهم.
وأخذه الموت اليوم من عائلته ورفاقه وشعبه، لكنه لن يستطيع أن يأخذ مكانه من تاريخ الكرد.
من فارقين إلى آمد، ومن البلدية إلى سجن دياربكر، ومن الزنزانة إلى الكتاب، ومن المنفى إلى الوطن، كانت رحلة طويلة لرجل اختار أن يدفع ثمن ما آمن به.
سلام لروح مهدي زانا.
والتعازي للسيدة ليلى زانا وعائلته ورفاقه، وللشعب الكردي الذي فقد واحداً من أصحاب السيرة النضالية الطويلة.
فالمناضلون يرحلون، لكن القضايا التي أعطوا أعمارهم لها تجعل أسماءهم أطول عمراً من أجسادهم.



