الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
32.4 C
Beirut

عزيزي الدكتور وفيق… هل يستوي الحوار مع من خرّب ثم نطالبه بأن ينقذ ما خرّبه؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

عزيزي الدكتور وفيق ريحان،

سأقاتل من أجل حقك في أن تقول رأيك، حتى عندما لا أقتنع به، وسأدافع عن حقك في أن تطرح ما تراه مخرجاً للبنان، لأن الاختلاف لا يفسد الود، ولأن قيمة الرأي لا تُقاس بمدى مطابقته لرأينا، بل بقدرتنا على مناقشته بحرية واحترام.

لكن اسمح لي، كأخ صغير، أن أناقش رأيك بود، وأن أسأل السؤال الذي لم أستطع تجاوزه وأنا أقرأ دعوتك إلى الحوار بين العهد وحزب الله:

هل يستوي الحوار مع من كان جزءاً أساسياً من المشكلة، قبل أن يقدّم أي دليل على أنه مستعد لأن يصبح جزءاً من الحل؟

أنا لا أعترض على الحوار كمبدأ. السياسة في النهاية حوار وتسويات ومفاوضات. لكن هناك فارقاً جوهرياً بين الحوار داخل الدولة والحوار على الدولة، وبين الجلوس مع حزب سياسي يعترف بقواعد النظام وبين التفاوض مع قوة مسلحة تريد أن تحتفظ لنفسها بحق تحديد متى تحارب الدولة ومتى تسالم، ثم تطلب من مؤسسات الجمهورية التكيّف مع قرارها.

هنا تكمن المشكلة.

الحوار مع حزب الله ليس المشكلة… بل موضوع الحوار

يمكن لرئيس الجمهورية أن يستقبل حزب الله عشر مرات، ويمكن لرئيس الحكومة أن يجلس معه كل أسبوع. هذا جزء من السياسة اللبنانية.

لكن السؤال ليس: هل نتحاور؟

السؤال هو: على ماذا نتحاور؟

هل نتحاور على توقيت تسليم السلاح للدولة؟

أم نتحاور على حق الحزب في الاحتفاظ به؟

هل نتحاور على كيفية تطبيق القرار 1701؟

أم على كيفية إيجاد صيغة جديدة تسمح باستمرار ازدواجية السلاح؟

هل نتحاور حول حماية لبنان من الحرب؟

أم نطلب من الدولة أن تتفهم حق حزب في فتح جبهة من أرضها من دون قرارها؟

إذا كان الحوار يهدف إلى إعادة القرار إلى الدولة، فهو ضرورة.

أما إذا كان المطلوب أن تمنح الدولة شرعية جديدة لوضع غير شرعي تحت عنوان «التفاهم الوطني»، فالمشكلة لن تُحل، بل ستُؤجَّل حتى الحرب التالية.

هل يستطيع من أخذ قرار الحرب خارج الدولة أن يطالب اليوم بالشراكة في إنقاذها؟

منذ فتح جبهة الجنوب تحت عنوان «الإسناد»، لم يكن قرار الحرب قراراً صادراً عن مجلس الوزراء اللبناني، ولم يصدر عن المؤسسات الدستورية المخولة تقرير الحرب والسلم.

وهنا لا يكفي القول إن الهدف كان مساندة غزة أو مواجهة إسرائيل.

لأن السؤال اللبناني مختلف:

من يملك قرار تعريض أربعة أو خمسة ملايين لبناني للحرب؟

إذا كان حزب الله يملك هذا الحق منفرداً، فما وظيفة الدولة؟

وإذا كانت الدولة هي صاحبة هذا الحق، فبأي صلاحية اتخذ الحزب القرار؟

هذه ليست مسألة عاطفية ولا مذهبية ولا نقاشاً حول المقاومة تاريخياً. إنها مسألة تتعلق بأبسط تعريف للسيادة.

الدولة التي لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم ليست دولة مكتملة السيادة.

تقول: لنعتمد على الحس الوطني لدى حزب الله

أتمنى أن يكون هذا الرهان صحيحاً.

لكن السياسة لا تُبنى على النيات.

الدولة لا تستطيع أن تقول: ربما يستقل حزب الله عن إيران في قراره.

السؤال هو: هل استقل فعلاً؟

إذا كان الحزب مستعداً لأن يقول بوضوح إن مصلحة لبنان تسبق المصلحة الإقليمية، وإن قرار الحرب والسلم لبناني حصراً، وإن السلاح يجب أن يصبح تحت سلطة الدولة، فحينها نكون أمام معطى سياسي جديد يستحق البناء عليه.

أما أن نفترض مسبقاً وجود هذه الاستقلالية ثم نبني عليها حواراً وطنياً، فهذا قلب للمعادلة.

المطلوب أولاً أن تظهر الاستقلالية في القرار، ثم يأتي الحوار لتثبيتها.

لا أن يأتي الحوار ليمنح الحزب شهادة استقلال لم يثبتها بعد.

ومن يحاسب على الدمار؟

هنا أيضاً لا بد من التفريق.

إسرائيل تتحمل مسؤولية اعتداءاتها واحتلالها وقصفها وتدميرها، ولا يمكن لأي نقاش لبناني أن يخفف من مسؤوليتها القانونية والسياسية عن ذلك.

لكن هذا لا يمنع اللبنانيين من سؤال سلطتهم وقواهم السياسية:

من أعطى قرار فتح الجبهة؟

من قدّر النتائج؟

من قال للبنانيين إن المواجهة ستبقى ضمن حدود معينة؟

ومن يتحمل المسؤولية السياسية عندما تكون النتيجة آلاف الضحايا والجرحى والمهجرين وقرى مدمرة واقتصاداً منهكاً؟

ليس مقبولاً أن نحمّل إسرائيل وحدها مسؤولية جريمتها ثم نمنع أي مساءلة داخلية عن القرارات التي وضعت لبنان مرة أخرى في قلب حرب لم تتخذ دولته قرارها.

مسؤولية المعتدي لا تلغي مسؤولية من أخذ لبنان إلى المواجهة من دون تفويض الدولة.

النفط والاتفاق البحري… وأين أصبحت معادلة القوة؟

لقد قُدّم اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل عام 2022 بوصفه إنجازاً كبيراً للبنان، فيما رأى منتقدوه أنه تضمّن تنازلات كان يجب مناقشتها بمزيد من الصرامة والشفافية، وخصوصاً في ما يتعلق بخطوط التفاوض والترتيبات المرتبطة بحقل قانا.

لن أحوّل هذا الخلاف إلى حقيقة محسومة بالقول إن لبنان «باع نفطه»، لأن الاتفاق نفسه معقد، ولأن ملكية الموارد وحقوق الاستغلال لها تفاصيل قانونية وتقنية.

لكن يحق لنا سياسياً أن نسأل حزب الله الذي قدم نفسه لعقود باعتباره صاحب معادلة الردع:

إذا كان السلاح هو الذي يحمي الحقوق، فكيف انتهت الملفات السيادية الأساسية إلى مفاوضات غير مباشرة واتفاقات دولية ووساطات أميركية؟

وهنا تظهر المفارقة.

حين نطالب بتطبيق القانون الدولي، يقال لنا إن إسرائيل لا تحترمه وإن السلاح هو الضمانة.

وحين نصل إلى النفط والحدود، نعود إلى الوسيط الأميركي والمفاوضات والاتفاقات.

فإذا كانت الدبلوماسية قادرة على حماية الحقوق، لماذا لا تصبح الدولة هي صاحبة هذه الدبلوماسية والقوة معاً؟

والقرى الجنوبية؟

هذه بالنسبة إليّ أكثر إيلاماً من كل النظريات السياسية.

لأن خلف كلمة «قرية» عائلة وبيت ومدرسة ومقبرة وذاكرة وأرض زيتون.

عندما ندعو سكان الجنوب إلى الصمود يجب أن نسأل أيضاً: الصمود من أجل ماذا؟ ومن يضمن عودتهم؟ ومن يمنع تكرار الحرب بعد إعادة إعمار منازلهم؟

لا يكفي أن نقول سنعيد الإعمار.

لقد أعدنا إعمار قرى بعد 2006.

ثم دُمّرت أجزاء منها مرة أخرى.

فهل سنعيد بناء البيت للمرة الثالثة ونترك المعادلة التي هدمته على حالها؟

المشكلة ليست في الإسمنت.

المشكلة في القرار السياسي الذي يجعل الجنوب بصورة دورية ساحة حرب مفتوحة.

المطلوب ألا يعاد بناء الحجر فقط، بل أن يُبنى نظام سياسي يمنع هدمه مجدداً.

تقول إن الانقسام الداخلي يخدم إسرائيل… وأنا أتفق

لكن الوحدة لا تعني أن نسكت عن أصل المشكلة.

الوحدة الوطنية لا تعني أن أتنازل عن سيادة الدولة كي لا ينزعج فريق لبناني.

كما لا تعني أن يفرض فريق لبناني معادلته العسكرية على بقية اللبنانيين بحجة أن الخلاف معه يخدم إسرائيل.

هذه معادلة خطرة.

لأنها تعني عملياً أن كل من يعترض على سلاح الحزب يصبح متهماً بإضعاف الجبهة الداخلية.

وهكذا يتحول السلاح من موضوع يجب مناقشته إلى تابو ممنوع الاقتراب منه.

الوحدة الحقيقية تأتي عندما يكون المسيحي والشيعي والسني والدرزي والكردي والأرمني وغيرهم متساوين تحت قانون واحد، وتحميهم مؤسسة عسكرية واحدة، وتقرر عنهم دولة واحدة.

ليس عندما تكون لطائفة قوة عسكرية مستقلة ثم نطلب من البقية التعايش معها حفاظاً على الوحدة.

المشكلة ليست في الحوار بل في «الحوار المفتوح»

لقد جرب لبنان منذ عقود لغة الحوار حول السلاح.

حوار بعد حوار.

وطاولة بعد طاولة.

واستراتيجية دفاعية بعد أخرى.

وفي كل مرة يُرحَّل السؤال الأساسي إلى المستقبل.

بينما أصبح السلاح أكثر قوة، والدولة أكثر ضعفاً.

لذلك فإن أي حوار جديد بلا سقف زمني وبلا أهداف محددة قد يتحول ببساطة إلى وسيلة لشراء الوقت.

إذا أراد حزب الله الحوار فعلاً، فليكن واضحاً:

حوار على كيفية الانتقال إلى حصرية السلاح، لا على مبدأ حصرية السلاح.

حوار على آلية دمج القدرات الدفاعية ضمن الدولة، لا على شرعنة جيش موازٍ لها.

حوار على كيفية حماية الجنوب بواسطة الجيش والدولة والضمانات الدولية، لا على الاحتفاظ بحق فتح جبهة جديدة عندما تتغير الحسابات الإقليمية.

هذا حوار يمكن الدفاع عنه.

أما إعادة فتح السؤال: هل يبقى السلاح أم لا؟ فنحن نعود إلى نقطة الصفر.

الرئيس ليس بحاجة إلى شريك في السيادة

أفهم تماماً ما تقصده عندما تدعو الرئيس عون إلى استخدام العقلانية وفتح أبواب التواصل.

وقد يكون التواصل ضرورياً لتجنب صدام داخلي لا يريده أحد.

لكن المطلوب من العهد ليس عقد صفقة بين قوتين: الدولة وحزب الله.

لأن الدولة ليست فريقاً لبنانياً في مواجهة فريق آخر.

الدولة هي الإطار الذي يجب أن يحتوي الجميع.

عندما يصبح رئيس الجمهورية مفاوضاً مع حزب على حجم سيادة الدولة، يصبح الحزب نداً للدولة.

وهذه بحد ذاتها مشكلة.

الأصح أن يكون الحوار حول انتقال الحزب من وضع استثنائي إلى الوضع الطبيعي لأي حزب لبناني: قوة سياسية تمثل جمهورها وتشارك في البرلمان والحكومة وتختلف وتعارض، لكنها لا تمتلك منظومة عسكرية وسياسة خارجية وقرار حرب مستقلين.

عندها يصبح حزب الله جزءاً طبيعياً وقوياً من الحياة السياسية اللبنانية، وليس دولة داخل الدولة.

لا أريد إلغاء حزب الله… أريد عودته إلى لبنان

وهنا ربما يكون الخلاف بيننا أقل مما يبدو.

أنا لا أدعو إلى حرب أهلية.

ولا إلى إقصاء الشيعة.

ولا إلى تحطيم حزب الله.

ولا أعتقد أن أحداً عاقلاً يريد فتح حرب داخلية لمعالجة قضية السلاح.

بل على العكس.

أريد أن يتحول حزب الله إلى حزب سياسي لبناني كامل الحقوق مثل بقية الأحزاب، وأن يكون جمهوره شريكاً كاملاً في الدولة، لا جمهوراً يُخيفه البعض بالقول إن تسليم السلاح يعني تركه بلا حماية.

فالشيعي اللبناني يجب أن تحميه الدولة.

والمسيحي تحميه الدولة.

والسني والدرزي وكل لبناني تحميه الدولة.

وإذا كانت الدولة عاجزة، نعالج عجز الدولة.

لا ننشئ دولة ثانية لتعويضه.

عزيزي الدكتور… الحوار نعم، ولكن للوصول إلى الدولة

لهذا أختلف مع دعوتك، بمحبة واحترام.

أنا مع الحديث مع حزب الله.

بل أعتقد أنه لا يمكن حل هذه المعضلة من دون الحديث معه.

لكنني أرفض أن تصبح الدعوة إلى الحوار غاية بحد ذاتها.

الحوار وسيلة.

والغاية يجب أن تكون واضحة:

دولة واحدة.

جيش واحد.

سياسة خارجية واحدة.

وقرار حرب وسلم واحد.

أما الحوار الذي يبدأ بالتسليم بأن لحزب الله وضعاً خاصاً ثم يبحث في كيفية التعايش معه، فلن ينقذ لبنان.

سيؤجل أزمته فقط.

وقد فعلنا ذلك سنوات طويلة.

عزيزي الدكتور وفيق،

أحترم خوفك على لبنان، وأفهم دعوتك إلى تخفيف الاحتقان، وأشاركك رفض الانقسام الأهلي بكل أشكاله.

لكنني أخشى أن يؤدي حرصنا على تجنب الانفجار اليوم إلى الإبقاء على الأسباب التي ستنتج انفجار الغد.

ولا أريد أن يكون السؤال بعد حرب أخرى:

كيف نعيد إعمار الجنوب؟

أريد أن يكون السؤال الآن:

كيف نمنع الحرب القادمة أصلاً؟

والجواب بالنسبة إليّ لا يبدأ من سلاح حزب الله.

ولا من إسرائيل.

ولا من إيران.

بل يبدأ بكلمة واحدة غابت طويلاً:

الدولة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...