الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
32.4 C
Beirut

ترامب يلوّح بضرب شريان إيران: مفاوضات تحت الطاولة أم «صدمة كبرى» لدفع طهران إلى الطاولة؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

عندما ينشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقطعاً مولداً بالذكاء الاصطناعي يظهر جزيرة خرج، قلب تصدير النفط الإيراني، وكأنها تُدمَّر، لا يمكن التعامل مع المشهد باعتباره مجرد استعراض على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، لا يجوز القفز إلى الاستنتاج المعاكس والقول إن قرار ضرب الجزيرة قد اتُّخذ بالفعل.

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يوجد دليل على تعرض جزيرة خرج للهجوم، وقد أكد مسؤول أميركي أن القوات الأميركية لم تستهدفها. لكن اختيار ترامب لهذه الجزيرة بالذات ليس تفصيلاً، فهي كانت تتعامل مع نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية قبل الحرب، وضربها بصورة واسعة يعني استهداف أحد أهم شرايين الاقتصاد الإيراني.

وجاء ذلك بعد عودة الاشتباك العسكري المباشر، إذ استهدفت القوات الأميركية قاذفات إيرانية في جزيرة لارك قرب مضيق هرمز، وردت إيران باستهداف قواعد أميركية في الأردن.

وفي اللحظة نفسها تقريباً، خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليؤكد أن إيران ما زالت تسعى إلى اتفاق وتفاهم، وأن استمرار الحرب ليس في مصلحة إيران ولا المنطقة ولا العالم.

هنا يصبح السؤال أكبر من فيديو نشره ترامب:

هل نحن أمام انهيار للمفاوضات، أم أمام مرحلة جديدة من «التفاوض بالقوة» تسبق عودة الطرفين إلى الطاولة؟ وهل توجد أصلاً مفاوضات تحت الطاولة؟

الجواب الأكثر دقة، استناداً إلى المعلومات المتاحة حتى الآن، هو أن لا دليل موثوقاً على وجود مفاوضات أميركية–إيرانية مباشرة وسرية تجري حالياً تحت الطاولة، لكن توجد أدلة واضحة على استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء، وعلى أن قنوات الوساطة لم تُغلق بالكامل.

وهذا فارق أساسي.

ترامب يقول: لا نتحدث معهم… لكن الوسطاء يتحركون

قبل أيام فقط، قال ترامب إن واشنطن لا تتحدث حالياً مع طهران ولا تبحث عن اجتماع معها.

والبيت الأبيض كرر أن المفاوضات متوقفة، وأن الإدارة الأميركية انتقلت إلى مرحلة تكثيف الضغط الاقتصادي.

لو أخذنا هذه التصريحات وحدها لقلنا إن المسار الدبلوماسي انتهى.

لكن الوقائع تقول شيئاً أكثر تعقيداً.

رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني تحرك باتجاه طهران لمحاولة إعادة تشغيل الدبلوماسية، وقطر أدت خلال الأشهر الماضية دور قناة خلفية مهمة بين واشنطن وطهران.

وهناك أيضاً عمان وباكستان.

وفي مرحلة سابقة من هذه الأزمة، نُقلت مسودات ومقترحات بين الطرفين عبر الوسطاء.

بل إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال في آب إن المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة غير قائمة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الرسائل تُتبادل عبر الوسطاء.

إذاً هناك مستويان مختلفان:

ترامب يستطيع أن يقول إنه لا توجد مفاوضات مباشرة مع الإيرانيين، وقد يكون ذلك صحيحاً حرفياً.

لكن ذلك لا يعني أن الرسائل الأميركية لا تصل إلى طهران، أو أن الرسائل الإيرانية لا تصل إلى واشنطن.

بل الأدلة المتاحة تشير إلى أن هذه القنوات بقيت موجودة حتى عندما توقفت المفاوضات الرسمية.

قطر وعمان وباكستان… ليست مجرد أسماء في الصورة

ما يعزز هذه القراءة أن التحرك ليس قطرياً منفرداً.

قطر وباكستان وعمان لعبت أدواراً مختلفة في نقل المقترحات ومحاولة تقريب المواقف، فيما ركزت عمان بصورة خاصة على ملف مضيق هرمز والترتيبات المتعلقة بالملاحة.

وفي الرابع من آب، كانت قطر تعلن إحراز تقدم في جهود الوسطاء لإنهاء الحرب، في الوقت الذي نفت فيه طهران إعلان ترامب أن المفاوضات قد بدأت بالفعل.

وهذا يكشف شيئاً مهماً في طريقة إدارة الأزمة:

قد يختلف الطرفان حتى على تسمية ما يفعلانه.

ترامب يسميه تفاوضاً.

إيران تسميه تبادل رسائل عبر الوسطاء.

قطر تسميه وساطة.

عمان تبحث ترتيبات تقنية وسياسية.

لكن في النهاية هناك شروط تنتقل من عاصمة إلى أخرى.

وهذه عملياً عملية تفاوض غير مباشر، حتى عندما يرفض أحد الطرفين إطلاق كلمة «مفاوضات» عليها.

لماذا ينفي الطرفان أحياناً وجود المفاوضات؟

لأن كلمة «مفاوضات» أصبحت بنفسها جزءاً من الحرب النفسية.

ترامب يريد أن يظهر أن الضغط العسكري والاقتصادي أجبر إيران على العودة إليه.

وطهران لا تريد أن تظهر أمام جمهورها بأنها عادت إلى التفاوض تحت القصف والعقوبات.

لذلك يمكن أن يقول ترامب: الإيرانيون يريدون التحدث معنا.

وترد إيران: لا توجد مفاوضات.

وفي الوقت نفسه، قد يحمل وسيط قطري أو عماني أو باكستاني ورقة من هذا الطرف إلى الطرف الآخر.

لذلك لا ينبغي أن نقرأ التصريحات العلنية وحدها.

في النزاعات الكبرى، هناك فرق بين المفاوضات المباشرة، والاتصال، والوساطة، وتبادل الرسائل، وجس النبض السياسي.

والأرجح أن المستويات الأخيرة لم تختفِ تماماً.

ثم ظهر «خرج»

وهنا تصبح الصورة أخطر.

ترامب لم يختر هدفاً عشوائياً في الفيديو الذي نشره.

جزيرة خرج هي واحدة من أهم عقد تصدير النفط الإيراني، وكانت تمر عبرها الغالبية الساحقة من صادرات النفط الإيرانية قبل الحرب.

وضرب منشآتها بصورة واسعة يعني الانتقال من استهداف القدرات العسكرية الإيرانية إلى محاولة إصابة قدرة الدولة على الحصول على العملات الصعبة وتمويل اقتصادها.

والرسالة التي يحملها فيديو ترامب يمكن قراءتها على النحو الآتي:

لقد استخدمنا القوة العسكرية.

واستخدمنا العقوبات.

ونستطيع الانتقال إلى ضرب الشريان النفطي نفسه.

لكن علينا هنا أن نبقى دقيقين: لا يوجد حتى الآن دليل على أن ترامب أصدر أمراً بضرب خرج، ولا دليل على أن الجزيرة تعرضت للهجوم.

الفيديو، حتى الآن، تهديد أو رسالة ضغط محتملة، وليس إعلاناً مثبتاً عن عملية عسكرية.

لماذا خرج تحديداً؟

لأن الضغط على النفط الإيراني يحقق أكثر من هدف في وقت واحد.

الأول اقتصادي.

إيران تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وضغوط مالية وتضخم وعقوبات، وبالتالي فإن تهديد منفذ رئيسي لصادراتها يرفع تكلفة استمرار المواجهة.

الثاني نفسي.

ترامب يقول للقيادة الإيرانية إن البنية التي توفر لها أحد أهم مصادر العملات الأجنبية ليست بعيدة عن متناول القوة الأميركية.

والثالث تفاوضي.

إذا كان الهدف الأميركي هو دفع إيران إلى تقديم تنازلات، فإن التهديد بضرب أصل اقتصادي بالغ الأهمية يمكن أن يستخدم لرفع ثمن رفض الاتفاق.

وهنا ندخل في مفهوم معروف في العلاقات الدولية:

الدبلوماسية القسرية.

أي أن تقول لخصمك:

يمكننا التفاوض، لكن كلفة عدم التفاوض ستزداد باستمرار.

نمط ترامب: ارفع السقف ثم افتح الباب

هذه ليست المرة الأولى التي نرى فيها هذا النمط خلال المواجهة.

في مراحل سابقة هدد ترامب بعمليات عسكرية ضخمة، ثم تراجع عن تنفيذ بعضها، وبعد ذلك ظهرت تحركات دبلوماسية أو وساطات.

وفي أيار، كان هناك بالفعل إطار لاتفاق يجري العمل عليه، وتحدث ترامب عن تقدم كبير فيه، فيما كان الوسطاء، وبينهم باكستان، يعملون على تقريب المواقف.

وفي تموز، حدث تصعيد عسكري جديد، ثم أعلن ترامب أن الولايات المتحدة وإيران وافقتا على استمرار المحادثات.

وفي مطلع آب، عاد ترامب للحديث عن احتمال هجمات ضخمة، ثم ألغى خططاً لها، بالتزامن مع تحرك الوسطاء.

هذا لا يعني أن التهديدات الأميركية مجرد مسرحية.

على العكس.

لكي يكون التهديد التفاوضي فعالاً يجب أن يعتقد الطرف الآخر أن تنفيذه ممكن.

ومن هنا تكمن الخطورة.

ترامب قد يستخدم الحرب للوصول إلى المفاوضات، لكنه في الوقت نفسه يجب أن يبدو مستعداً فعلاً لخوض الحرب إذا فشل الضغط.

هرمز في قلب الصفقة

لفهم ما يجري لا يكفي النظر إلى الملف النووي.

هناك اليوم ملف بالغ الأهمية بالنسبة إلى واشنطن:

مضيق هرمز.

قبل الحرب كان يمر عبر المضيق نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه يضرب اقتصادات الخليج وآسيا وأوروبا، ويرفع أسعار الطاقة عالمياً، ويصل تأثيره في النهاية إلى المستهلك الأميركي.

لذلك تريد واشنطن حرية مرور السفن ومنع إيران من استخدام المضيق كورقة عسكرية واقتصادية.

في المقابل، تريد طهران استخدام موقعها الجغرافي كورقة تفاوض.

وهنا نجد العلاقة المثيرة بين خرج وهرمز.

خرج هي شريان إيران لتصدير النفط.

هرمز هو شريان العالم لنقل قسم هائل من طاقته.

ترامب يلوح للإيراني:

أستطيع ضرب الشريان الذي تصدر منه نفطك.

والإيراني يقول للأميركي:

وأستطيع جعل الشريان الذي يمر منه نفط المنطقة غير آمن.

وهنا، أكثر من الملف النووي وحده، يمكن فهم جانب كبير من المفاوضات الحالية.

ما الذي تريده واشنطن؟

المطالب الأميركية المعلنة والمتداولة خلال المفاوضات السابقة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.

واشنطن تريد ضمان حرية الملاحة في هرمز، ووقف الهجمات على السفن، ومعالجة البرنامج النووي الإيراني، وتقليص قدرة إيران على تهديد القوات الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

والإدارة الأميركية تقول الآن إنها ستزيد الضغط الاقتصادي أسبوعاً بعد أسبوع.

وزير الخزانة سكوت بيسنت تحدث بالفعل عن عقوبات ثانوية جديدة تستهدف بصورة خاصة الشبكات المالية والمصارف التي تساعد إيران.

وهنا تتكامل الأدوات:

القوة العسكرية تضرب القدرة.

العقوبات تضرب الاقتصاد.

التهديد بخرج يضرب التوقعات المستقبلية.

والوسطاء يبقون باب الصفقة مفتوحاً.

وماذا تريد إيران؟

إيران بدورها لديها مطالب واضحة ظهرت خلال جولات التفاوض السابقة.

تريد تخفيف العقوبات أو رفعها.

وتريد رفع القيود المفروضة على تجارتها وموانئها.

وتريد الإفراج عن أصول مجمدة.

وتطالب بضمانات ضد استئناف الهجمات.

كما تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من نفوذها على ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.

وفي مراحل سابقة طرحت أيضاً مسألة التعويضات عن أضرار الحرب.

لذلك فإن الصفقة، إذا عادت إلى الحياة، لن تكون مجرد:

إيران تتخلى عن شيء نووي مقابل رفع العقوبات.

المفاوضات أصبحت أوسع بكثير.

هناك النووي.

وهرمز.

والنفط.

والعقوبات.

والأصول المجمدة.

والضمانات الأمنية.

والصراع الإقليمي.

العقوبات ليست بديلاً عن المفاوضات… قد تكون جزءاً منها

هذه نقطة أساسية.

عندما تقول الإدارة الأميركية إنها انتقلت من العمل العسكري إلى تكثيف العقوبات، قد يبدو ظاهرياً أنها تخلت عن الدبلوماسية.

لكن في الدبلوماسية القسرية يمكن أن تكون العقوبات نفسها أداة تفاوض.

الهدف ليس بالضرورة إسقاط الخصم غداً.

بل تغيير حساباته.

السؤال الذي تريد واشنطن أن تفرضه على القيادة الإيرانية هو:

ما الأكثر كلفة عليكم: قبول التسوية أم استمرار الوضع الحالي؟

كلما ارتفع التضخم، وانخفضت التجارة، وضاقت القنوات المالية، وأصبح تصدير النفط أكثر صعوبة، تتغير المعادلة داخل طهران.

ثم يأتي فيديو خرج ليضيف سؤالاً آخر:

ماذا لو انتقل الضغط من منع إيران من بيع النفط إلى ضرب قدرتها على تصديره؟

لكن إيران تمارس الدبلوماسية القسرية أيضاً

سيكون خطأ كبيراً تصوير إيران باعتبارها مجرد متلقٍ للضغط الأميركي.

طهران تمارس الأسلوب نفسه بأدوات مختلفة.

ورقتها الأكبر هي هرمز.

كلما أصبحت الملاحة أكثر خطورة، ارتفعت كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي.

وترتفع أسعار النفط والتأمين والشحن.

وتتضرر دول الخليج.

ويزداد الضغط على واشنطن.

وهناك عامل داخلي أميركي أيضاً.

ترامب يقترب من انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني، وارتفاع أسعار الطاقة ليس خبراً جيداً لأي رئيس أميركي.

لذلك تستطيع طهران أن تقول عملياً:

يمكنك خنق اقتصادنا، لكننا نستطيع زيادة تكلفة الحرب على اقتصادك وعلى حلفائك أيضاً.

أميركا تملك تفوقاً عسكرياً ومالياً هائلاً.

لكن إيران تملك الجغرافيا.

وهذه الجغرافيا اسمها:

مضيق هرمز.

هل يستعد ترامب لعمل كبير؟

الاحتمال موجود بالتأكيد.

لكن لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تسمح لنا بالقول إن قراراً بضرب جزيرة خرج قد اتُّخذ.

يجب الفصل بين ثلاثة مستويات.

الأول حصل بالفعل: ضرب أهداف عسكرية إيرانية في جزيرة لارك.

الثاني حصل إعلامياً: ترامب نشر فيديو يظهر خرج وهي تُدمر.

أما الثالث فلم يثبت حدوثه: ضرب منشآت خرج النفطية بصورة واسعة.

ولو انتقل ترامب من المستوى الثاني إلى الثالث، فنحن أمام تصعيد مختلف نوعياً.

ضرب منصة صواريخ شيء.

وضرب مركز رئيسي لتصدير النفط الإيراني شيء آخر.

الأول عملية عسكرية.

أما الثاني فيقترب من محاولة خنق الاقتصاد الإيراني بالقوة العسكرية.

«الصدمة الكبرى» قبل المفاوضات

هنا نصل إلى الفرضية الأخطر.

ماذا لو توصل ترامب إلى قناعة بأن العقوبات والضربات المحدودة لم تعد كافية لإجبار إيران على تقديم التنازلات المطلوبة؟

عندها قد يفكر في عملية عسكرية أكبر ذات هدف سياسي محدد:

إحداث صدمة تجعل تكلفة رفض الاتفاق أعلى من تكلفة قبوله.

هذا السيناريو ممكن منطقياً، لكنه ليس معلومة مؤكدة عن خطة أميركية.

وإذا كان موجوداً، فإن خرج تبدو هدفاً شديد الحساسية بسبب قيمتها الاقتصادية.

لكن هنا تكمن مشكلة كل استراتيجية تقوم على «ضربة كبيرة من أجل التفاوض».

من يطلق الضربة يستطيع تحديد بدايتها.

لكنه لا يستطيع تحديد رد خصمه.

واشنطن قد تعتبرها ضربة لإجبار إيران على التفاوض.

لكن طهران قد تعتبرها محاولة لخنق الدولة اقتصادياً وتهديداً وجودياً.

وعندها قد يكون الرد استهداف منشآت طاقة في الخليج، أو توسيع العمليات في هرمز، أو استهداف قواعد أميركية، أو رفع مستوى الحرب إلى مكان لم يكن ترامب يريد الوصول إليه.

وهكذا تتحول «الضربة المحدودة» إلى حرب أكبر.

لماذا استخدم ترامب فيديو بالذكاء الاصطناعي؟

هذه نقطة تستحق التوقف عندها.

لو وقف ترامب أمام الصحافة وقال رسمياً:

سندمر جزيرة خرج،

لأصبح ذلك تهديداً عسكرياً رسمياً ومباشراً له تداعيات دبلوماسية وأسواقية هائلة.

لكنه نشر فيديو مولداً بالذكاء الاصطناعي.

وهذا يخلق مساحة من الغموض.

هل هو تهديد؟

هل هو حرب نفسية؟

هل هو تحذير؟

هل هو استعراض؟

هل هو رسالة إلى القيادة الإيرانية؟

أم تمهيد نفسي لعملية؟

لا نعرف.

لكن الغموض نفسه يمكن أن يكون مفيداً في الضغط على الخصم.

فالقيادة الإيرانية لا تستطيع أن تفترض ببساطة أن ترامب يمزح.

وعليها أن تحسب احتمال أن يكون مستعداً لتنفيذ ما عرضه.

وهنا يصبح الفيديو أداة ضغط من دون أن يكون إعلان حرب رسمي.

ثم يأتي جواب بزشكيان

في مقابل صورة خرج وهي تحترق، جاءت رسالة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان:

إيران ما زالت تحاول الوصول إلى اتفاق وتفاهم، والحوار والتعاون هما الطريق لمنع اتساع الصراع.

هذه العبارة تستحق الانتباه أكثر من كثير من الخطابات النارية.

لأنها جاءت بعد عودة الاشتباكات العسكرية.

وبعد الضربة الأميركية في لارك.

وبعد الرد الإيراني.

وبعد فيديو ترامب.

ولا تعني أن إيران استسلمت.

لكنها تعني أن طهران لا تريد إغلاق باب التسوية.

وهنا يصبح تزامن الرسالتين مثيراً للاهتمام:

ترامب يقول بصورة غير مباشرة:

انظروا ماذا يمكن أن يحدث لخرج.

وبزشكيان يقول:

ما زلنا نبحث عن اتفاق.

هل هناك إذاً صفقة تُطبخ تحت الطاولة؟

يجب أن نكون دقيقين.

لا أملك دليلاً يسمح لي بالقول إن هناك اتفاقاً سرياً جاهزاً ينتظر التوقيع.

ولا توجد معلومات موثوقة حتى الآن تثبت أن وفدين أميركياً وإيرانياً يجلسان سراً ويتفاوضان مباشرة.

لكن توجد أدلة كافية للقول إن قنوات نقل الرسائل لم تختفِ.

قطر تتحرك.

عمان تتحرك.

باكستان سبق أن لعبت دور الوسيط.

المقترحات انتقلت سابقاً بين الطرفين.

عراقجي أقر بتبادل الرسائل عبر الوسطاء.

بزشكيان يقول الآن إن إيران لا تزال تريد اتفاقاً.

وفي المقابل، ترامب يرفع مستوى الضغط والتهديد.

هذه ليست صورة قطيعة دبلوماسية كاملة.

إنها أقرب إلى:

تفاوض غير مباشر داخل مواجهة عسكرية واقتصادية مستمرة.

ما الذي أرجحه؟

أمامنا ثلاث فرضيات.

الأولى أن اتفاقاً سرياً شبه مكتمل يجري تحضيره تحت الطاولة.

لا توجد أدلة كافية على ذلك.

الثانية أن ترامب اتخذ قراراً بحرب مفتوحة شاملة ضد إيران.

لا توجد أدلة كافية على ذلك أيضاً.

أما الفرضية الثالثة فهي الأكثر انسجاماً، في تقديري، مع الوقائع المتاحة:

التصعيد من أجل تحسين شروط التفاوض، مع إبقاء خيار التصعيد العسكري الحقيقي مفتوحاً إذا فشل الضغط.

وهذا يعني أن التهديد ليس مسرحية.

والمفاوضات ليست سلاماً.

كلاهما يحدث في الوقت نفسه.

ترامب يريد أن يذهب الإيراني إلى طاولة المفاوضات وهو ينظر إلى خرج.

والإيراني يريد أن يذهب الأميركي إلى الطاولة وهو ينظر إلى هرمز وأسعار النفط.

وبين خرج وهرمز تجري المفاوضات الحقيقية.

قد لا يجلس الأميركي والإيراني اليوم في الغرفة نفسها، لكن القطري والعماني والباكستاني يستطيعون حمل الرسائل بين الغرف.

هذه ليست مصالحة.

إنها مفاوضات تحت النار.

والسؤال في الأيام المقبلة ليس فقط: هل سيضرب ترامب خرج؟

السؤال الأهم:

هل نشر صورة تدمير خرج لأنه يريد تنفيذها، أم لأنه يريد أن يضع هذه الصورة أمام المفاوض الإيراني قبل أن يطلب منه تقديم تنازلات؟

حتى الآن لا نملك الجواب.

وأي شخص يجزم بأحد الاحتمالين يؤلف ما لا نعرفه.

لكن ما نستطيع قوله بثقة هو أن باب الدبلوماسية لم يُغلق، وباب الحرب لم يُغلق أيضاً.

وهذا تحديداً ما يجعل اللحظة الحالية شديدة الخطورة.

الخصمان لا يتفاوضان فقط حول شروط اتفاق.

إنهما يتفاوضان أيضاً حول حجم الألم الذي يستطيع كل منهما فرضه على الآخر قبل الاتفاق.

وهنا تصبح جزيرة خرج أكثر من جزيرة.

ويصبح مضيق هرمز أكثر من ممر مائي.

الأولى تمثل شريان الاقتصاد الإيراني.

والثاني يمثل أحد شرايين الاقتصاد العالمي.

وبين الشريانين قد تُكتب الصفقة… أو تبدأ جولة أكثر خطورة من الحرب.

Note

  1. Reuters، 31 آب/أغسطس 2026: تقرير عن نشر ترامب فيديو مولداً بالذكاء الاصطناعي يصور تدمير جزيرة خرج، وعدم وجود دليل على تعرض الجزيرة لهجوم، وتأكيد مسؤول أميركي أن القوات الأميركية لم تستهدفها، إضافة إلى أهمية خرج لصادرات النفط الإيرانية.
  2. Reuters، 31 آب/أغسطس 2026: تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن طهران ما زالت تسعى إلى اتفاق وتفاهم، وأن الحوار والتعاون ضروريان لمنع اتساع الحرب.
  3. Reuters، 31 آب/أغسطس 2026: معلومات عن الضربة الأميركية ضد قاذفات إيرانية في جزيرة لارك، والرد الإيراني باستهداف قواعد أميركية في الأردن، والتوتر المتجدد حول زرع الألغام والملاحة في مضيق هرمز.
  4. Reuters، 27 آب/أغسطس 2026: زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران لمحاولة إحياء الدبلوماسية، بالتزامن مع إعلان ترامب عدم وجود محادثات أميركية–إيرانية مباشرة.
  5. Reuters، 28 آب/أغسطس 2026: تقرير عن تصعيد الإدارة الأميركية للعقوبات والضغط المالي على إيران في ظل تعثر المفاوضات، وعن استمرار الجهود الدبلوماسية المتعلقة بمضيق هرمز.
  6. Reuters، 9 آب/أغسطس 2026: تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة لا تجري، مع تأكيده استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء.
  7. Reuters، 4 آب/أغسطس 2026: تقرير عن جهود قطر وعمان وباكستان للوساطة، وإعلان قطر إحراز تقدم، بالتزامن مع خلاف أميركي–إيراني علني حول ما إذا كانت المفاوضات قد بدأت فعلاً.
  8. Reuters، 1 تموز/يوليو 2026: جولة من المفاوضات الأميركية–الإيرانية غير المباشرة في الدوحة ركزت بصورة أساسية على مضيق هرمز وترتيبات إنهاء الحرب.
  9. Reuters، 10–11 تموز/يوليو 2026: تقارير عن موافقة واشنطن وطهران على استمرار الاتصالات رغم التصعيد العسكري، وعن الدور القطري والعماني، ومطالب الولايات المتحدة بحرية وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
  10. Reuters، 23 أيار/مايو 2026: تقرير عن تقدم سابق في صياغة إطار لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة إقليمية، يتضمن إنهاء الحرب، ومعالجة أزمة مضيق هرمز، ثم فتح مفاوضات أوسع.
  11. Reuters، 10 أيار/مايو 2026: تقرير عن المقترحات الإيرانية السابقة التي تضمنت رفع العقوبات والقيود على النفط والموانئ، وضمانات ضد الهجمات، ومطالب مرتبطة بأضرار الحرب، ونقل باكستان الرد الإيراني إلى الجانب الأميركي.
  12. Reuters، 21–22 حزيران/يونيو 2026: تقارير عن المفاوضات التي أعقبت مذكرة التفاهم المؤقتة، والعلاقة بين إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الأعمال العسكرية وبدء البحث في الملفات الأوسع، ومنها البرنامج النووي والعقوبات.
  13. Reuters، 26–31 آب/أغسطس 2026: تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بشأن تشديد العقوبات الثانوية واستهداف الشبكات المالية والمصارف المرتبطة بالتجارة الإيرانية، ضمن استراتيجية زيادة الضغط الاقتصادي على طهران.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

حادث مأساوي في سنندج وعبد الله مهتدي يعزّي الضحايا

أخباركم - أخبارنا كتب عبد الله مهتدي، سكرتير حزب كومله الكردستاني، عبر صفحته على...

تركيا في قلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط: بين إيران وإسرائيل وروسيا والغرب ومستقبل الكرد والعرب

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك على هامش صراعات...