أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم تعد منظمة شنغهاي للتعاون مجرد تجمع أمني وُلد في آسيا الوسطى لمواجهة الإرهاب والتطرف وضبط الحدود. القمة السادسة والعشرون التي انعقدت في بيشكيك في الأول من أيلول/سبتمبر 2026، في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المنظمة، تكشف تحولاً أكبر: محاولة بناء فضاء أوراسي تتداخل فيه السياسة والأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا والتمويل والنقل.[1]
السؤال لذلك ليس فقط: ماذا قررت القمة؟ بل ماذا أصبحت تمثل في نظام عالمي تتحول فيه المنافسة الأميركية–الصينية تدريجياً إلى صراع على قواعد الاقتصاد والسياسة الدوليين؟
والأهم بالنسبة إلى إيران: هل تستطيع هذه المنظومة أن تمنح طهران شبكة أمان حقيقية في مواجهة الضغط الأميركي، وخصوصاً بعد الحرب التي بدأت بالضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026 وما أعقبها من جولات مواجهة واتفاق مؤقت ثم تجدد للضربات؟ وهل أثبتت الحرب أن شنغهاي قادرة على حماية إيران، أم أنها كشفت في الوقت نفسه قوة المنظمة وحدودها؟[10]
عشرة أعضاء… لكن الصين هي الثقل الاقتصادي
تضم منظمة شنغهاي اليوم الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وبيلاروسيا. وإيران عضو كامل منذ عام 2023.
مجرد النظر إلى الخريطة يوضح أهمية هذه الكتلة: الصين والهند عملاقان سكانيان واقتصاديان، روسيا وإيران قوتان رئيسيتان في الطاقة، وآسيا الوسطى غنية بالنفط والغاز واليورانيوم والمعادن.
أما باكستان فتحتاج إلى قراءة أكثر دقة من مجرد القول إنها «تمنح منظمة شنغهاي منفذاً إلى المحيط الهندي».
منظمة شنغهاي نفسها لا تملك ممراً إلى المحيط الهندي، ولا يُعد الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني CPEC مشروعاً تابعاً للمنظمة. إنه مشروع ثنائي صيني–باكستاني ورائد ضمن مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.[2]
لكن أهميته الاستراتيجية بالنسبة إلى الفضاء الأوراسي الذي تتحرك فيه منظمة شنغهاي كبيرة جداً.
فالممر يربط غرب الصين بباكستان، بينما يشكل ميناء غوادر على بحر العرب عقدته البحرية الجنوبية. وفي أيار/مايو 2026 أعادت الصين وباكستان التأكيد على تطوير CPEC وغوادر كمركز للربط الإقليمي، مع الترحيب بمشاركة أطراف ثالثة في مشاريع الممر.[3]
والأهم أن الربط بآسيا الوسطى ليس مجرد فكرة نظرية. فهناك الاتفاق الرباعي للنقل والترانزيت QTTA بين باكستان والصين وقرغيزستان وكازاخستان، وهو يوفر إطاراً للربط بين آسيا الوسطى والموانئ الباكستانية.[4]
لكن هذا لا يعني أن بضائع آسيا الوسطى أو الصين تتدفق اليوم تلقائياً وبكميات هائلة عبر غوادر. هناك فارق بين الممر القائم، والقدرة اللوجستية الموجودة، والرؤية الاستراتيجية المستقبلية.
وهذا التفريق ضروري حتى لا يتحول التحليل السياسي إلى مبالغة جغرافية.
غوادر وإيران: هنا تصبح الخريطة أكثر إثارة
تكمن أهمية باكستان أيضاً في أنها تجاور إيران، بينما يقع غوادر بالقرب من المجال البحري الإيراني وميناء تشابهار.
باكستان وإيران ناقشتا بالفعل تعزيز الربط البري والسككي والتجارة العابرة للحدود، كما طُرحت أهمية غوادر وتشابهار وكراتشي بالنسبة إلى التجارة الإقليمية، وإمكانية توسيع الربط باتجاه روسيا وآسيا الوسطى.[5]
ولهذا فإن السيناريو الاستراتيجي الأوسع ليس وجود «ممر شنغهاي» واحد يمتد من الصين إلى المحيط الهندي، فهذا غير موجود.
ما يوجد هو شبكة من الممرات والموانئ والمشاريع الثنائية والمتعددة الأطراف يمكن ربطها ببعضها تدريجياً.
CPEC وغوادر من جهة.
طرق آسيا الوسطى والصين من جهة ثانية.
شبكات إيران وموانئها وممراتها نحو الخليج والقوقاز وروسيا من جهة ثالثة.
وإذا نجح الربط بينها، يصبح أمام أوراسيا أكثر من طريق للوصول إلى البحار المفتوحة.
وهنا تستطيع إيران، إذا أحسنت الاستثمار في موقعها، أن تتحول من دولة تعاني الحصار والحرب إلى عقدة ترانزيت وطاقة يصعب تجاوزها.
قوة شنغهاي وضعفها في الوقت نفسه
رغم هذا الامتداد الهائل، يجب ألا نخطئ في تعريف المنظمة.
شنغهاي ليست اتحاداً أوروبياً جديداً، وليست «ناتو شرقياً».
لا توجد فيها مادة دفاع مشترك تلزم الصين مثلاً بالدخول في حرب إذا تعرضت إيران لهجوم.
كما أن أعضاءها ليسوا كتلة سياسية متجانسة. الصين والهند تتنافسان، الهند وباكستان خصمان تاريخياً، وروسيا والصين تتعاونان لكن لكل منهما حساباتها الخاصة، خصوصاً في آسيا الوسطى.
وهذه نقطة أساسية:
قوة شنغهاي في حجمها وتنوعها، وضعفها أيضاً في حجمها وتنوعها.
ماذا خرج من قمة بيشكيك؟
القمة لم تكتفِ بالبيانات السياسية.
تحركت المنظمة باتجاه تطوير مؤسساتها الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز التعاون في النقل والمراكز اللوجستية والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات والاقتصاد.[1]
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
لأن التحدي أمام منظمة شنغهاي ليس إصدار بيان ينتقد الأحادية الأميركية، بل بناء بنية اقتصادية تجعل أعضاءها أقل اعتماداً على المؤسسات والأسواق والأنظمة المالية التي يهيمن عليها الغرب.
الصين: من مصنع العالم إلى مهندس فضاء اقتصادي جديد
الصين هي الدولة الوحيدة داخل المنظمة التي تمتلك تقريباً كل الأدوات اللازمة لتحويل هذا الطموح إلى مشروع اقتصادي ضخم.
لديها رأس المال، والصناعة، والتكنولوجيا، والسوق، والموانئ، وشركات البنية التحتية، وشبكات النقل، والقدرة على تمويل المشاريع الكبرى.
لذلك فإن مشروع الصين لا يحتاج بالضرورة إلى إسقاط النظام الاقتصادي الغربي.
يكفي أن تبني نظاماً موازياً يستطيع الآخرون اللجوء إليه عندما تُغلق أمامهم أبواب النظام الغربي.
وهذا أكثر واقعية من فكرة إنشاء «معسكر شرقي» جديد.
الصين لا تقول للدول: اقطعوا علاقاتكم مع الولايات المتحدة.
بل تقول عملياً:
لا تجعلوا الولايات المتحدة خياركم الوحيد.
الاقتصاد هو المعركة الحقيقية
هناك نقاش متقدم حول إنشاء بنك تنمية لمنظمة شنغهاي.
وفي أيار/مايو 2026 عُقدت في بيشكيك جولة جديدة من المشاورات الخاصة بالبنك، بالتوازي مع مناقشة التعاون المالي وتوسيع استخدام العملات الوطنية في التسويات المتبادلة.[6][7]
هذه النقطة تحديداً هي التي يجب أن تراقبها واشنطن.
إذا بقيت المشاريع حبراً على ورق، ستبقى منظمة شنغهاي منصة سياسية ضخمة ولكن محدودة اقتصادياً.
أما إذا ظهر بنك فعلي، وتمويل واستثمارات وتأمين للصادرات وممرات تجارية وتسويات أوسع بالعملات الوطنية، فإن المنظمة ستصبح قادرة على تقديم شيء أهم بكثير من البيانات:
مساحة اقتصادية تستطيع بعض الدول من خلالها تقليل اعتمادها على النظام المالي الغربي.
وهنا تدخل إيران بقوة.
إيران: لماذا أصبحت شنغهاي مهمة إلى هذه الدرجة؟
إيران لا تنظر إلى منظمة شنغهاي باعتبارها نادياً دبلوماسياً.
بالنسبة إلى طهران، المسألة أكثر أهمية.
فالحرب التي بدأت في شباط/فبراير 2026 لم تكن مواجهة عسكرية فقط. إنها أعادت طرح سؤال قدرة إيران على الصمود اقتصادياً وسياسياً إذا تعرضت بنيتها العسكرية والاقتصادية لضربات متكررة واستمرت العقوبات والضغوط الأميركية بالتوازي مع الحرب.[10]
إيران تحتاج إلى أسواق لطاقةها، واستثمارات، وممرات تجارية، ونظام مدفوعات أقل تعرضاً للعقوبات، وشركاء يمنعون تحول العزلة الغربية إلى عزلة عالمية.
ولهذا طرحت طهران أفكاراً تتعلق بتطوير المؤسسات المالية، وتأمين الصادرات والاستثمارات، والتعاون في الطاقة والممرات.
المشكلة الإيرانية ليست فقط في بيع النفط.
بل في كيفية قبض ثمنه، وتمويل التجارة، وتأمين الاستثمارات، ونقل الأموال، والحصول على التكنولوجيا، وحماية الشركات التي تتعامل مع إيران من آثار العقوبات.
لذلك تريد طهران أن تتحول شنغهاي من مظلة سياسية إلى مظلة مالية واقتصادية.
هل تستطيع منظمة شنغهاي المساهمة في إنقاذ إيران؟
هنا يجب الابتعاد عن الدعاية الإيرانية كما عن المبالغات الغربية.
الجواب:
تستطيع مساعدتها كثيراً، وربما منع تحول الضغط إلى اختناق كامل، لكنها لا تستطيع وحدها إنقاذ الاقتصاد الإيراني.
هناك عدة شرايين تستطيع هذه المنظومة توفيرها.
أولها الطاقة. الصين وقوى آسيوية أخرى بدرجات مختلفة تستطيع توفير أسواق للطاقة الإيرانية.
ثانيها التجارة. كلما توسعت تجارة إيران مع الصين وروسيا والهند وآسيا الوسطى وباكستان، أصبحت محاولة عزل الاقتصاد الإيراني بالكامل أكثر صعوبة.
ثالثها التمويل. توسيع التسويات بالعملات الوطنية وإنشاء مؤسسات مالية جديدة يمكن أن يخفض جزءاً من اعتماد التجارة البينية على القنوات الغربية.[7]
رابعها الاستثمار والتكنولوجيا. إيران تحتاج إلى استثمارات هائلة في النفط والغاز والكهرباء والنقل والمصافي والبتروكيماويات والبنية التحتية. والصين هي الدولة الأكثر قدرة داخل هذا الفضاء على تقديم جزء معتبر منها.
خامسها الغطاء السياسي. وجود إيران إلى جانب الصين وروسيا والهند يمنع تصويرها باعتبارها دولة معزولة تماماً عن النظام الدولي.
لكن هناك شرياناً سادساً قد يصبح بالغ الأهمية:
الجغرافيا.
هل يمكن للممرات أن تكون جزءاً من إنقاذ إيران؟
نعم، وربما تكون هذه إحدى أهم الفرص.
إيران تقع بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وتركيا والعراق وباكستان، وقريبة من طرق التجارة المؤدية إلى روسيا والهند.
إلى شرقها يوجد CPEC وغوادر.
إلى جنوبها الخليج وبحر عمان وتشابهار.
إلى شمالها القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين.
وإلى غربها العراق وتركيا ومنها أوروبا.
إذا استطاعت إيران أن تربط سككها الحديدية وطرقها وموانئها وشبكات الطاقة بصورة أكثر فاعلية بهذه المنظومات، فإنها تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى أصل اقتصادي استراتيجي.
وهذا مختلف جذرياً عن مجرد بيع النفط للصين.
الدولة التي تبيع النفط يمكن الاستغناء عن جزء من نفطها.
لكن الدولة التي تصبح ممراً للبضائع والطاقة والسكك الحديدية والموانئ وسلاسل الإمداد تصبح إزاحتها من الاقتصاد الإقليمي أكثر كلفة.
ومن هنا تأتي أهمية العلاقة بين إيران وباكستان أيضاً.
لكن مرة أخرى يجب أن نكون دقيقين:
لا يوجد اليوم ممر موحد اسمه «ممر شنغهاي» يربط الصين بإيران وآسيا الوسطى وغوادر.
الموجود مجموعة مشاريع واتفاقيات وموانئ وشبكات، والتحدي الحقيقي هو ربطها.
إذا تحقق ذلك، فإن الجغرافيا يمكن أن تصبح بالنسبة إلى إيران أداة لمقاومة العزلة أكثر استدامة من مجرد الالتفاف المؤقت على العقوبات.
الطاقة: مشروع يمكن أن يخدم إيران مباشرة
في حزيران/يونيو 2026 اجتمع وزراء الطاقة في منظمة شنغهاي في بيشكيك، مع استمرار العمل على استراتيجية التعاون في الطاقة حتى 2030 ومناقشة آليات أوسع للتعاون.[9]
بالنسبة إلى إيران، هذه مسألة استراتيجية.
فهي تملك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، بينما الصين والهند وباكستان أسواق ضخمة للطاقة.
إذا استطاعت شنغهاي مستقبلاً أن تربط المنتجين والمستهلكين بشبكات استثمار وتمويل ونقل وتسويات مالية، يمكن أن تصبح إيران جزءاً من منظومة أمن طاقة أوراسية بدلاً من بقائها مجرد منتج يحاول بيع نفطه تحت ضغط العقوبات.
لماذا لا تستطيع شنغهاي إنقاذ إيران بالكامل؟
لأن أزمة إيران ليست كلها مستوردة من الخارج.
العقوبات والحرب والضربات العسكرية تضاعف الأضرار، لكن الاقتصاد الإيراني يعاني أيضاً من التضخم، وضعف العملة، واختلالات مالية ومصرفية، ومشكلات استثمارية وإدارية، وأزمات في الطاقة والبنية التحتية وهروب رؤوس الأموال.
لا تستطيع الصين إصلاح هذه المشكلات بدلاً من إيران.
والأهم أن الصين نفسها لن تضحي بمصالح اقتصادية أكبر من أجل طهران.
الصين تريد إيران مستقرة، منتجة للطاقة، منفتحة على التجارة الصينية وغير خاضعة بالكامل للولايات المتحدة.
لكنها لا تريد حرباً إقليمية كبرى تعطل الخليج أو مضيق هرمز أو تدمر طرق التجارة.
هذه شراكة مصالح، وليست تحالفاً عقائدياً.
وهل تدافع الصين وشنغهاي عن إيران عسكرياً؟
هذه ربما أهم نقطة يجب أن تدركها طهران.
منظمة شنغهاي ليست حلف دفاع مشترك.
وجود إيران فيها لا يعني أن الصين أو الهند أو بقية الأعضاء ملزمون بإرسال قوات إذا تعرضت إيران لهجوم.
والحرب التي اندلعت في 2026 قدمت اختباراً عملياً لهذه الحقيقة.
المنظمة أدانت الضربات على الأراضي الإيرانية، وأكدت سيادة إيران وأمنها ووحدة أراضيها، ثم أعاد وزراء خارجيتها في تموز/يوليو التأكيد على إدانة الضربات العسكرية والدعوة إلى تسوية سياسية ودبلوماسية.[11]
لكن ذلك لم يتحول إلى دخول منظمة شنغهاي الحرب عسكرياً إلى جانب إيران.
وهذا الفارق بالغ الأهمية.
إلى أي مدى تستطيع شنغهاي حماية إيران بعد الحرب؟
هذا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية بعد تجربة الحرب.
ما حدث أظهر أن شنغهاي تستطيع أن تمنح إيران حماية سياسية واقتصادية واستراتيجية جزئية، لكنها لا تمنحها ضمانة عسكرية تلقائية.
وهناك أربع طبقات محتملة لهذه الحماية.
الأولى سياسية ودبلوماسية.
الصين وروسيا والهند وبقية أعضاء المنظمة يستطيعون المساهمة في منع تحويل إيران إلى دولة معزولة تماماً، ودعم سيادتها ووحدة أراضيها، والضغط من أجل الحلول الدبلوماسية ومنع تحويل استخدام القوة ضدها إلى أمر طبيعي في العلاقات الدولية.[11]
الثانية اقتصادية.
وهذه ربما تكون أهم طبقات الحماية بعد الحرب.
إذا استطاعت إيران الحفاظ على صادرات الطاقة، واستمرار تجارتها مع الصين والهند وروسيا وآسيا الوسطى وباكستان، واستقطاب استثمارات لإعادة بناء البنية التحتية والطاقة والنقل، فإن قدرة الحرب والعقوبات على خنقها تتراجع.
الثالثة هي إعادة الإعمار والربط بالممرات الإقليمية.
الصين خصوصاً تمتلك القدرات المالية والصناعية والتكنولوجية التي يمكن أن تجعلها شريكاً رئيسياً في إعادة بناء أو تحديث البنية التحتية الإيرانية.
لكن الأهم من إعادة البناء نفسها هو تشابك المصالح.
إذا أصبحت سكك إيران وموانئها وشبكات الطاقة والطرق والأسواق جزءاً من مشاريع ومصالح صينية وروسية وهندية وباكستانية وآسيوية أوسع، فإن ضرب إيران مستقبلاً لن يضر إيران وحدها.
عندها تبدأ الحماية الحقيقية من مكان مختلف:
ليس من معاهدة تقول إن الصين ستدخل الحرب، بل من حساب يقول إن الحرب على إيران ستضر بالمصالح الصينية والآسيوية نفسها.
أما الطبقة الرابعة فهي التعاون الأمني والعسكري غير المباشر.
يمكن أن يتوسع التعاون في التدريب والمعلومات والتكنولوجيا والدفاع الجوي والأمن البحري وصفقات السلاح، وفق قرارات الدول المعنية وعلاقاتها الثنائية مع إيران.
لكن هذا شيء، وتحول منظمة شنغهاي إلى حلف عسكري يخوض الحرب دفاعاً عن إيران شيء آخر تماماً.
والتجربة حتى الآن تقول إن الثاني غير موجود.
ولهذا يمكن اختصار حدود المنظمة بجملة واحدة:
شنغهاي تستطيع رفع كلفة الحرب المقبلة على إيران، لكنها لا تستطيع حتى الآن ضمان منعها.
وهذا يعني أن السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن تطرحه طهران بعد الحرب ليس فقط:
من سيدافع عنا إذا تعرضنا لهجوم جديد؟
بل:
كيف نجعل استقرار إيران وسلامتها مصلحة للصين والهند وروسيا وباكستان وآسيا الوسطى؟
إذا نجحت إيران في ذلك، تتحول الجغرافيا والطاقة والممرات والأسواق إلى نوع مختلف من الردع.
كلما ازدادت حاجة الآخرين إلى إيران، ارتفعت كلفة تدميرها أو زعزعة استقرارها.
وهذا ربما يكون أقوى شكل واقعي من أشكال الحماية تستطيع منظمة شنغهاي المساهمة في بنائه.
بزشكيان: التوجه شرقاً لا يعني إغلاق باب واشنطن
المفارقة أن بزشكيان استخدم وجوده في قمة بيشكيك ليعلن أيضاً استعداد إيران للعودة إلى الالتزامات المتبادلة إذا عادت الولايات المتحدة إلى التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في حزيران/يونيو.[10]
وهذا مهم للغاية.
فإيران لا تحتاج الصين لكي تستبدل واشنطن ببكين.
الأكثر فائدة لها أن تستطيع القول للغرب:
لدينا بدائل، ولذلك لن نتفاوض من موقع الاختناق الكامل.
وهنا تصبح منظمة شنغهاي أداة لزيادة هامش المناورة الإيرانية، لا بديلاً كاملاً عن العلاقات مع الغرب.
كيف ترى الولايات المتحدة كل ذلك؟
القلق الأميركي الحقيقي ليس احتمال ظهور جيش موحد لمنظمة شنغهاي يواجه الناتو.
هذا غير واقعي في الظروف الحالية.
المشكلة بالنسبة إلى واشنطن تكمن في التراكم الاقتصادي والمؤسساتي.
قوة العقوبات الأميركية تأتي من حجم الاقتصاد الأميركي، والدولار، والبنوك، والتكنولوجيا والأسواق وشبكات التمويل.
كل معاملة تنتقل إلى عملات أخرى، وكل مشروع يحصل على تمويل خارج المؤسسات الغربية، وكل ممر تجاري جديد، وكل دولة تستطيع الحفاظ على تجارتها رغم العقوبات، يخفض جزءاً صغيراً من قوة هذه الأدوات.
صفقة واحدة لا تغير النظام العالمي.
لكن تراكم آلاف الصفقات وعشرات الممرات ومؤسسات التمويل الجديدة على مدى سنوات يمكن أن يفعل ذلك.
الهند تمنع ولادة «محور معادٍ لأميركا»
وجود الهند بالغ الأهمية.
نيودلهي عضو أساسي في منظمة شنغهاي، لكنها في الوقت نفسه شريك مهم للولايات المتحدة، ولديها علاقات واسعة مع الغرب، وهي منافس استراتيجي للصين.
ولهذا يصعب تحويل شنغهاي إلى تحالف سياسي موحد ضد واشنطن.
وهنا يظهر شكل النظام العالمي الجديد بصورة أوضح.
الهند تستطيع أن تتعاون مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا، ثم تجلس مع الصين وروسيا وإيران داخل شنغهاي.
هذا ليس تناقضاً بالضرورة.
إنه سياسة تعدد الخيارات.
وهذا بالضبط ما يتغير في العالم: دول كثيرة لم تعد تريد الاختيار نهائياً بين واشنطن وبكين.
روسيا والصين: شراكة ولكن بميزان يتغير
روسيا تملك القوة النووية والعسكرية والخبرة السياسية والنفوذ التاريخي في آسيا الوسطى.
لكن الصين تملك الثقل الاقتصادي الأكبر.
ومع الضغوط التي تواجهها روسيا، يصبح هذا الاختلال أكثر وضوحاً.
موسكو تستطيع أن تبقى شريكاً استراتيجياً لبكين، لكنها لا تستطيع منافسة القدرات الاقتصادية الصينية في أوراسيا.
ولهذا يمكن القول إن منظمة شنغهاي التي بدأت كمشروع صيني–روسي بتوازن أكبر تتحول تدريجياً إلى فضاء ثقله الاقتصادي صيني، وثقله العسكري موزع، ومصالح أعضائه متعددة.
ما الذي تمثله القمة للعالم؟
قمة بيشكيك لا تعلن نهاية العصر الأميركي.
ولا تعلن ولادة إمبراطورية صينية.
لكنها تقدم صورة واضحة عن المرحلة الواقعة بين الاثنين.
العالم يتحرك من نظام تركزت فيه القوة بدرجة استثنائية في الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى نظام تنتشر فيه مراكز القوة والخيارات.
الصين مركز.
الهند مركز.
روسيا، رغم محدودية وزنها الاقتصادي مقارنة بالصين، ما زالت قوة عسكرية ونووية.
الاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية كبرى.
ودول مثل تركيا والسعودية وإيران والبرازيل تحاول توسيع هوامش حركتها بين هذه القوى.
ولهذا فإن منظمة شنغهاي لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة حتى تنجح.
يكفي أن تحقق شيئاً أكثر واقعية:
أن تجعل الولايات المتحدة غير قادرة وحدها على تحديد الخيارات المتاحة لبقية العالم.
الاقتصاد سيحدد إن كانت شنغهاي مشروعاً تاريخياً أم مجرد صورة جماعية
يمكن للقادة أن يلتقطوا آلاف الصور وأن يتحدثوا عن عالم متعدد الأقطاب.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في المؤسسات والأرقام.
هل سيولد بنك تنمية شنغهاي فعلاً؟
هل يستطيع تمويل مشاريع ضخمة؟
هل ترتفع التسويات بالعملات الوطنية؟
هل تتكامل الموانئ والسكك والطرق؟
هل يرتبط CPEC بصورة أوسع بآسيا الوسطى؟
هل تتطور شبكات إيران باتجاه باكستان وآسيا الوسطى والقوقاز وروسيا؟
وهل تتحول مشاريع التعاون في الطاقة من الأفكار والمشاورات إلى مؤسسات وشبكات حقيقية؟
إذا حدث ذلك، فنحن أمام تحول اقتصادي استراتيجي.
أما إذا بقيت المشاريع في البيانات، فستبقى شنغهاي ثقيلة سياسياً وأخف اقتصادياً مما توحي به صور القمم.
إيران أحد أهم اختبارات المنظمة
لهذا يمكن أن تتحول إيران إلى اختبار حقيقي لقدرة منظمة شنغهاي على الانتقال من السياسة إلى الاقتصاد، ومن التضامن أثناء الحرب إلى بناء القدرة على الصمود بعدها.
إذا استطاعت الصين وروسيا والهند وباكستان وآسيا الوسطى توفير أسواق وتمويل واستثمارات وممرات وأنظمة دفع تساعد إيران على الصمود تحت ضغط أميركي شديد وإعادة بناء ما تضرر من اقتصادها وبنيتها التحتية، فستثبت المنظمة أنها أكثر من منتدى سياسي.
لكن إذا بقي الدعم عند حدود بيانات الإدانة والتجارة المحدودة، بينما يستمر تراجع الاقتصاد الإيراني، فسوف تظهر حدود فكرة «البديل الشرقي».
وحتى في السيناريو الأول، يجب ألا ترتكب إيران خطأ استبدال الاعتماد على واشنطن بالاعتماد على بكين.
الاستقلال ليس تغيير الدولة التي تعتمد عليها؛ الاستقلال هو زيادة عدد خياراتك بحيث لا تستطيع دولة واحدة خنقك.
الخلاصة: الصين لا تبني حلفاً فقط… إنها تبني الخيارات
هذه ربما أهم نتيجة سياسية واقتصادية لقمة بيشكيك.
الصين لا تحتاج إلى بناء نسخة شرقية من النظام الأميركي.
إنها تحاول بناء شبكة من الأسواق والممرات والطاقة والتكنولوجيا والتمويل تجعلها مركزاً لا يمكن تجاوزه في أوراسيا.
روسيا تحتاج هذه الشبكة لمواجهة عزلتها وضغوطها.
إيران تحتاجها لتخفيف العقوبات والضغط وإعادة بناء قدرتها على الصمود بعد الحرب.
آسيا الوسطى تحتاجها للتنمية والوصول إلى أسواق وموانئ متعددة.
وباستخدام CPEC وغوادر، تستطيع باكستان أن تكون إحدى حلقات الربط بين الصين وبحر العرب، ومع اتفاقيات النقل يمكن أن يمتد أثر هذه الشبكة إلى آسيا الوسطى. لكنها ليست «الممر البحري لمنظمة شنغهاي»، وغوادر ليس ميناءً للمنظمة؛ إنها أصول ومشاريع باكستانية–صينية يمكن أن تخدم، إذا توسع الربط الإقليمي، فضاءً اقتصادياً أكبر.[2][3][4]
أما إيران، فموقعها قد يكون أهم أوراقها.
إذا استطاعت ربط موانئها وسككها وطرقها وشبكات الطاقة بممرات آسيا الوسطى وباكستان والقوقاز وروسيا، فقد تتحول من دولة تحاول الالتفاف على الحصار إلى دولة يصبح المرور عبرها واستقرارها مصلحة للآخرين.
وهذا ربما يكون أهم ما تستطيع شنغهاي فعله لإيران بعد الحرب.
ليست قادرة في وضعها الحالي على ضمان ألا تُضرب إيران مرة أخرى.
وليست حلفاً عسكرياً سيدخل الحرب تلقائياً دفاعاً عنها.
لكنها تستطيع المساهمة في بناء إيران يصبح ضربها أكثر كلفة، وعزلها أكثر صعوبة، وانهيارها أكثر ضرراً لمصالح قوى كبرى.
وهذا فارق جوهري.
الحماية الأكثر واقعية التي تستطيع الصين ومنظمة شنغهاي توفيرها لإيران ليست أن ترسل الجيوش للدفاع عنها، بل أن تساعد على إدماجها في منظومة أوراسية من الطاقة والتجارة والنقل والاستثمار والتمويل تجعل استقرار إيران مصلحة تتجاوز الإيرانيين أنفسهم.
أما واشنطن، فإن التحدي بالنسبة إليها ليس أن ترى علماً جديداً يحل محل العلم الأميركي فوق النظام العالمي.
التحدي أن تستيقظ يوماً لتجد أن الدول التي كانت لا تملك خياراً خارج النظام الذي تقوده أصبحت تملك عدة خيارات.
وهنا تحديداً تكمن أهمية قمة شنغهاي.
إنها لا تقول إن النظام العالمي الجديد قد وُلد.
لكنها تقول إن الطرق والموانئ والبنوك وشبكات الطاقة والعملات والمؤسسات التي يمكن أن يقوم عليها ذلك النظام يجري بناؤها الآن.
وبالنسبة إلى إيران، تستطيع هذه البنية أن تمنحها أسواقاً وممرات واستثمارات وغطاءً سياسياً وأدوات مالية جديدة، وأن تساعدها على تجنب العزلة والاختناق الكاملين.
لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإصلاح الاقتصادي الداخلي، ولا أن تلغي العقوبات الأميركية بضربة واحدة، ولا أن تقدم لطهران ضمانة بأن الصين وروسيا ستخوضان حربها عنها.
شنغهاي تستطيع أن تساعد إيران على الصمود بعد الحرب، وأن تجعل عزلها أصعب والحرب المقبلة عليها أكثر كلفة؛ أما حماية إيران بصورة كاملة وإنقاذها اقتصادياً في النهاية، فلا تستطيع القيام بهما إلا إيران نفسها.
Note
[1] منظمة شنغهاي للتعاون والجهات الرسمية القرغيزية، وثائق واجتماعات الرئاسة القرغيزية للمنظمة وقمة بيشكيك 2026، والقرارات المتعلقة بالأمن والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
[2] الأمانة الرسمية للممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني CPEC؛ تعريف المشروع وإطاره ضمن التعاون الصيني–الباكستاني ومبادرة الحزام والطريق، وليس باعتباره مشروعاً تابعاً لمنظمة شنغهاي.
[3] تقارير أيار/مايو 2026 حول التعاون الصيني–الباكستاني وتطوير CPEC وغوادر والربط الإقليمي.
[4] وزارة الخارجية الباكستانية؛ الاتفاق الرباعي للنقل والترانزيت QTTA بين باكستان والصين وقرغيزستان وكازاخستان ودوره في الربط بين باكستان وآسيا الوسطى.
[5] الحكومة الباكستانية؛ مباحثات الربط الإيراني–الباكستاني وتعزيز الطرق والسكك والتجارة العابرة للحدود، ودور موانئ المنطقة في شبكات الربط المحتملة.
[6] منظمة شنغهاي للتعاون، أيار/مايو 2026؛ المشاورات المتعلقة بإنشاء بنك تنمية للمنظمة.
[7] منظمة شنغهاي للتعاون، أيار/مايو 2026؛ اجتماعات التعاون المالي ومناقشة توسيع استخدام العملات الوطنية في التسويات المتبادلة.
[8] المواقف والمقترحات الإيرانية المقدمة في إطار اجتماعات منظمة شنغهاي 2026 بشأن التمويل والطاقة والتأمين والاستثمار والربط الاقتصادي.
[9] منظمة شنغهاي للتعاون، اجتماعات التعاون في مجال الطاقة، بيشكيك، حزيران/يونيو 2026؛ استراتيجية التعاون في الطاقة حتى 2030 والمشاورات بشأن تطوير آليات التعاون.
[10] Reuters، 1 أيلول/سبتمبر 2026؛ الحرب الأميركية–الإيرانية التي بدأت بضربات أميركية وإسرائيلية في 28 شباط/فبراير، ومذكرة التفاهم المؤقتة في حزيران، وتجدد الضربات المباشرة، وتصريحات الرئيس مسعود بزشكيان في قمة بيشكيك حول الاستعداد للعودة إلى الالتزامات المتبادلة.
[11] مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون، 25 تموز/يوليو 2026؛ التأكيد على التضامن مع إيران، وإدانة الضربات العسكرية على أراضيها، والتشديد على التسوية السياسية والدبلوماسية واحترام القانون الدولي وسيادة الدول.



