أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
لم تعد تركيا مجرد دولة إقليمية تتحرك على هامش صراعات الشرق الأوسط، ولا مجرد عضو في حلف شمال الأطلسي أو دولة تنتظر منذ عقود على أبواب الاتحاد الأوروبي. أنقرة تتحرك بصورة متزايدة باعتبارها مركزاً جيوسياسياً يريد تحويل موقعه بين أوروبا وآسيا والبحر الأسود والشرق الأوسط إلى نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي مستقل نسبياً.
وتستند هذه القوة إلى مزيج نادر من الأدوات: عضوية الناتو، جيش كبير، صناعة دفاعية متنامية، موقع جغرافي يتحكم بممرات حيوية، علاقات مع روسيا، ارتباط اقتصادي عميق بأوروبا، حضور مباشر في سوريا والعراق، وانفتاح متزامن على العالم العربي والصين وآسيا الوسطى.
لهذا لم يعد السؤال ما إذا كانت تركيا قادرة على منافسة إيران، بل ما إذا كانت في طريقها إلى أن تصبح القوة الأكثر قدرة على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد تراجع نموذج النفوذ الإيراني، وما الذي يعنيه ذلك للكرد في أجزائهم الأربعة وللدول العربية ولإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا.
تركيا وإيران: نموذجان مختلفان للنفوذ
بنت إيران نفوذها خلال العقود الماضية على شبكات الحلفاء المحليين والجماعات المسلحة والعلاقات السياسية والأمنية والعقائدية، مستفيدة من ضعف الدول والانقسامات الداخلية في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
أما تركيا فتعتمد على نموذج مختلف: قوة دولة متكاملة تشمل الجيش، والتجارة، والاستثمارات، والصناعة الدفاعية، والقواعد العسكرية، والطاقة، والطرق، والسكك الحديدية، والممرات التي تربط آسيا بأوروبا.
إيران نجحت في اختراق دول من الداخل، بينما تحاول تركيا أن تجعل دولاً واقتصادات محيطة بها مرتبطة بها بنيوياً.
وهذا فارق أساسي، لأن النفوذ القائم على الجماعات المسلحة يمكن أن يتراجع مع تغير موازين القوى، بينما يصبح النفوذ أكثر استدامة عندما يتحول إلى ممرات تجارية وأنابيب وأسواق وعلاقات أمنية واقتصادية طويلة الأمد.
لهذا قد لا تكون تركيا أكثر عدائية من إيران بالضرورة، لكنها تملك نموذجاً أكثر قدرة على الاستمرار إذا نجحت في تثبيته.
الجغرافيا: السلاح التركي الأهم
قوة تركيا الأولى ليست الخطاب السياسي، بل الجغرافيا.
فهي تقع بين أوروبا وروسيا والقوقاز والشرق الأوسط، وتتحكم بممرات تربط البحر الأسود بالمتوسط، وتشكل بوابة طبيعية بين آسيا والأسواق الأوروبية.
وقد أدركت أنقرة أن السيطرة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر. فالدولة التي تتحكم بالطاقة والتجارة والممرات تستطيع أن تمارس نفوذاً واسعاً من دون السيطرة على الأرض سيادياً.
من هنا لا تنظر تركيا إلى العراق باعتباره جاراً عربياً فقط، بل باعتباره امتداداً نحو الخليج وممراً تجارياً محتملاً إلى أوروبا.
ولا تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد ملف حدود ولاجئين وكرد، بل باعتبارها امتداداً استراتيجياً إلى المشرق وشرق المتوسط.
كلما ازدادت حاجة الدول المحيطة إلى الأسواق والموانئ والممرات التركية، ازدادت قدرة أنقرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة سياسية.
بين واشنطن وموسكو: تركيا لا تختار نهائياً
من أبرز عناصر القوة التركية قدرتها على البقاء داخل الناتو من دون التحول إلى تابع كامل للسياسة الأميركية.
أنقرة تريد الولايات المتحدة ولكنها لا تريد الارتهان لها، وتريد روسيا ولكنها لا تريد انتصارها المطلق.
تتعاون مع أوكرانيا، وتختلف مع موسكو، ثم تتفاوض معها في الطاقة وسوريا والبحر الأسود. وفي الوقت نفسه تستفيد من عضوية الناتو ومن علاقتها العسكرية بالغرب.
هذه السياسة تمنح تركيا قيمة لدى الطرفين.
روسيا تحتاج إلى دولة كبيرة داخل الناتو تستطيع الحديث معها، والولايات المتحدة تحتاج إلى تركيا في البحر الأسود والشرق الأوسط والهجرة والطاقة والأمن.
وهكذا تحولت عضوية الناتو نفسها إلى أداة مساومة.
أوروبا والصين: توسيع الخيارات
تركيا ليست خارج الغرب، لكنها لم تعد مستعدة لأن تكون مجرد امتداد له.
اقتصادياً، تبقى أوروبا شريكها الأهم ومصدراً رئيسياً للاستثمار والتكنولوجيا والأسواق، بينما لا يزال الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي بعيداً بسبب الخلافات السياسية والقانونية وقضايا الديمقراطية وقبرص وغيرها.
لكن هذا الجمود يمنح أنقرة أيضاً هامشاً للحركة.
فهي تريد الاستفادة من أوروبا من دون قبول جميع القيود السياسية التي تأتي مع الاندماج الكامل، وفي الوقت نفسه تفتح أبواباً مع الصين وروسيا وآسيا الوسطى.
والمفارقة أن قيمتها لدى الشرق تأتي جزئياً من كونها دولة في الناتو، بينما ترتفع قيمتها لدى الغرب كلما أثبتت أن لديها بدائل شرقية.
تركيا وإسرائيل: سوريا ساحة التنافس الجديدة
العلاقة التركية الإسرائيلية لا يمكن اختزالها بعداء كامل ولا بوصفها علاقة سرية ثابتة.
هناك خلافات حقيقية، خصوصاً حول فلسطين وغزة، لكن هناك أيضاً مصالح استراتيجية تمنع الطرفين من الذهاب بسهولة إلى مواجهة مباشرة.
بعد التحولات في سوريا، بدأ التنافس التركي الإسرائيلي يأخذ طابعاً أكثر وضوحاً.
إسرائيل لا تريد ظهور قوة إقليمية كبيرة تتمركز سياسياً أو عسكرياً قرب حدودها، وتركيا لا تريد أن تتحول سوريا إلى مجال أمني إسرائيلي مفتوح يمنعها من توسيع نفوذها.
ولهذا قد تنتقل سوريا من ساحة تنافس إيراني إسرائيلي إلى ساحة تنافس تركي إسرائيلي.
والفارق أن إيران كانت تستخدم حلفاء مسلحين، بينما تركيا تدخل بجيش دولة واقتصاد وتحالفات ومؤسسات.
القضية الكردية: أربعة أجزاء وسياسة تركية مرنة
من أكثر الملفات التي تكشف طبيعة المشروع التركي المسألة الكردية.
أنقرة لا تتعامل مع الكرد كقضية واحدة، بل مع أربعة ملفات منفصلة، ما يسمح لها بالتفاوض مع طرف، والتعاون مع طرف آخر، ومواجهة ثالث.
في تركيا نفسها، لا يمكن إنهاء القضية الكردية بمجرد إنهاء المواجهة المسلحة. فإذا لم يرافق ذلك حل سياسي يتعلق باللغة والهوية والتمثيل المحلي والعلاقة مع المركز، فستبقى جذور الأزمة قائمة.
وفي سوريا، تستطيع تركيا قبول شخصيات كردية داخل مؤسسات الدولة، لكنها ترفض بصورة حادة وجود بنية سياسية أو عسكرية كردية مستقلة تعتبرها قابلة للتحول إلى نموذج دائم على حدودها.
لذلك لا تكمن المسألة في عدد المناصب التي يحصل عليها الأكراد، بل في الضمانات الدستورية والسياسية والثقافية والإدارية التي يحصل عليها المجتمع الكردي نفسه.
أما في إقليم كردستان العراق، فتطبق تركيا سياسة براغماتية. تستطيع أن تكون الشريك الاقتصادي الأهم لأربيل، وفي الوقت نفسه تنفذ عمليات عسكرية ضد حزب العمال داخل الأراضي العراقية.
لكن الخطر هنا هو أن يتحول الاعتماد التجاري والطاقة والممرات إلى أداة ضغط سياسي على قرار الإقليم.
أما كرد إيران، فسيواجهون معادلة شديدة الحساسية إذا دخلت إيران مرحلة ضعف أو تغيير جذري.
فأنقرة قد تستفيد من ضعف طهران، لكنها لن ترحب بالضرورة بقيام كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها الشرقية.
وقد تتنافس تركيا وإيران في ملفات كثيرة، ثم تلتقي مصالحهما عندما يتعلق الأمر بمنع إعادة رسم الحدود أو ظهور كيان كردي جديد.
من الأخطر على الكرد: إيران أم تركيا؟
لا توجد إجابة واحدة.
إيران تبقى الخطر المباشر الأكبر على كرد إيران، وتركيا هي الدولة الحاسمة في مستقبل كرد تركيا، بينما يتداخل نفوذ أنقرة مع الحكومات المركزية والقوى الدولية في سوريا والعراق.
لكن إذا نظرنا إلى القضية الكردية ككل، فإن تركيا تمتلك قدرة على التأثير في ثلاثة أجزاء بصورة مباشرة، ويمكن أن تؤثر بقوة في الجزء الرابع إذا تغيرت إيران.
كما أن أنقرة تمتلك شبكة علاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والعالم العربي لا تملك إيران ما يماثلها.
لهذا قد يصبح النفوذ التركي أشمل على القضية الكردية، ليس لأنه دائماً أكثر عنفاً، بل لأنه أكثر قدرة على إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالكرد سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
العرب وتركيا: شريك أم مركز نفوذ؟
بالنسبة إلى العرب، الخطأ هو التعامل مع تركيا كعدو دائم أو حليف طبيعي.
هي شريك مهم في التجارة والطاقة والدفاع والصناعة العسكرية، ويمكن أن تشكل عنصراً في موازنة إيران وإسرائيل في بعض الملفات.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشراكة إلى اعتماد أحادي.
إذا أصبحت سوريا أكثر ارتباطاً بأنقرة، والعراق أكثر اعتماداً على الممرات التركية، واستمر الحضور التركي في ليبيا، وتوسع التعاون الدفاعي مع الخليج، فإن العلاقة قد تتحول تدريجياً من تبادل مصالح إلى بنية نفوذ.
وهنا يصبح الحديث عن عودة العثمانيين أقل أهمية من سؤال أكثر واقعية: هل تستطيع تركيا بناء منظومة تجعل الدول المحيطة مضطرة إلى أخذ مصالحها في الاعتبار قبل اتخاذ قراراتها الكبرى؟
إذا تحقق ذلك، فلن تحتاج إلى إمبراطورية ولا إلى احتلال مباشر.
الشرق الأوسط المقبل: تعدد مراكز القوة
المنطقة تتجه إلى نظام أكثر تعدداً من المرحلة التي طغت عليها المواجهة بين إيران وإسرائيل.
تركيا تريد توسيع مجالها من البحر الأسود إلى المشرق.
إسرائيل تريد الحفاظ على تفوقها ومنع ظهور قوة مهيمنة جديدة.
السعودية تسعى إلى أن تصبح مركزاً عربياً اقتصادياً وسياسياً مستقلاً.
إيران تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها.
الولايات المتحدة تريد منع هيمنة قوة إقليمية واحدة.
روسيا تريد البقاء في البحر الأسود والشرق الأوسط.
والصين تتقدم عبر الاقتصاد والطاقة والممرات.
وسط هذه الخريطة، تتميز تركيا بأنها من أكثر الدول قدرة على إبقاء قنواتها مفتوحة مع أطراف متناقضة في الوقت نفسه.
وهذا المشروع لا يرتبط بأردوغان وحده. قد تتغير اللغة السياسية بعده، لكن الجغرافيا والمصالح ستبقى، ومن الصعب تصور أن تتخلى أي قيادة تركية بسهولة عن النفوذ في سوريا والعراق والقوقاز وشرق المتوسط والبحر الأسود.
الخلاصة: القوة في جعل الآخرين بحاجة إليها
المشروع التركي المعاصر لا يحتاج إلى إمبراطورية بالمعنى القديم.
قوته تقوم على الجغرافيا والجيش والناتو والأسواق الأوروبية والعلاقات مع روسيا والانفتاح على الصين والحضور في سوريا والعراق والصناعة الدفاعية والممرات التجارية والطاقة.
إيران بنت جانباً كبيراً من نفوذها عبر اختراق الدول من الداخل، بينما تحاول تركيا أن تجعل الاقتصاد والأمن والجغرافيا الإقليمية مرتبطة بها.
ولهذا فإن تراجع إيران لا يعني أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة أقل تنافساً، بل قد يعني انتقال مركز الثقل من نموذج نفوذ إلى آخر.
بالنسبة إلى الكرد، يكمن الخطر في تحول الأجزاء الأربعة إلى ملفات منفصلة يمكن مقايضتها والتفاوض عليها كل على حدة.
وبالنسبة إلى العرب، يكمن التحدي في الاستفادة من تركيا كشريك من دون السماح بتحول الشراكة إلى اعتماد استراتيجي.
أما أنقرة، فهي تسعى إلى معادلة أكثر طموحاً: ألا تختار نهائياً بين الشرق والغرب، ولا بين روسيا والولايات المتحدة، ولا بين الخصومة والتفاهم مع إسرائيل والعرب، بل أن تجعل كل طرف يرى أن التعاون معها أقل كلفة من تجاوزها.
وإذا نجحت في ذلك، فلن يكون السؤال في السنوات المقبلة عن حجم الدور التركي في الشرق الأوسط، بل عن مقدار ما أصبح النظام الإقليمي نفسه يعتمد على تركيا.



