الثلاثاء, سبتمبر 8, 2026
27.4 C
Beirut

«قسد تُحلّ…والقوة الكردية تبقى هل بدأت معركة إعادة تشكيل سوري!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا

بقلم : يونس بهرام
تبدو عملية الاندماج بين قامشلو ودمشق، وفق ما أُعلن من العاصمة السورية، وكأنها تقترب من محطتها الأخيرة. فالصورة الخارجية توحي بأن مرحلة طويلة من التفاوض والصراع قد وصلت إلى تفاهم سياسي وأمني، وأن الطرفين يمضيان نحو صيغة جديدة للعلاقة داخل الدولة السورية.
لكن في السياسة، وخصوصاً في الجغرافيا السياسية، ليست الإعلانات هي التي تصنع التحولات الكبرى، بل ما يليها من ترتيبات وتطبيقات وتوازنات.
وما يبدو من الخارج نهايةً لمسار تفاوضي، قد يكون في حقيقته بداية للمرحلة الأكثر حساسية: مرحلة اختبار الاتفاق، وتفسير بنوده، وتحديد حدود السلطة، ومن يملك القرار، ومن يضمن تنفيذ ما تم التوافق عليه.
من الحرب إلى الشراكة
المسألة الأساسية هنا لا تتعلق فقط باندماج قوة عسكرية في مؤسسات الدولة، ولا بإعادة ترتيب المواقع العسكرية والأمنية. جوهر المسألة أعمق بكثير.
إنها تتعلق بالسؤال التاريخي حول شكل الدولة السورية القادمة، وموقع الكرد فيها، وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف.
فإذا كان المقصود بالاندماج أن تتخلى القوى الكردية عن صيغتها العسكرية السابقة مقابل الاعتراف بها كمكوّن سياسي ووطني أصيل، وفتح الطريق أمام شراكة حقيقية في إدارة الدولة، فإن الأمر يمكن قراءته باعتباره انتقالاً من مرحلة الصراع المسلح إلى مرحلة السياسة.
أما إذا كان الاندماج يعني ببساطة تفكيك البنية العسكرية والسياسية القائمة وإعادة استيعاب أفرادها داخل منظومة مركزية دون ضمانات سياسية ودستورية واضحة، فإن المعادلة تصبح مختلفة تماماً.
ولهذا فإن العبارة الأكثر أهمية ليست «الاندماج»، وإنما «الشراكة».
فالكرد لا يبحثون، في جوهر قضيتهم، عن امتياز عابر أو منصب سياسي، بل عن اعتراف بأنهم جزء أصيل من جغرافية سوريا وشعبها وتاريخها ومستقبلها.
بين نشوة الانتصار ومرارة التنازل
في الشارع العربي والسوري، كما في الفضاء الإلكتروني، ظهرت قراءة تعتبر ما حدث انتصاراً لدمشق واستسلاماً من الطرف الكردي. وتذهب بعض الأصوات إلى تصوير المشهد باعتباره نهاية لمشروع سياسي وعسكري بدأ قبل سنوات، وانتهى بعودة القوات الكردية إلى مظلة السلطة المركزية.
هذه القراءة تختزل المشهد في ثنائية منتصر ومهزوم.

وهي ثنائية قد تكون مريحة في الخطاب السياسي، لكنها غالباً لا تفسر التحولات الجيوسياسية المعقدة.
فالحروب الطويلة لا تنتهي دائماً باستسلام أحد الطرفين. أحياناً تنتقل من ميدان السلاح إلى ميدان التفاوض، ويصبح ما لم تستطع القوة العسكرية حسمه موضوعاً للمساومة السياسية.
ومن هذه الزاوية، فإن دخول الطرف الكردي في تفاهم مع دمشق لا يعني بالضرورة أنه خسر كل شيء، كما أن قبول دمشق بصيغة اندماج لا يعني بالضرورة أنها تنازلت عن كل شيء.
الصفقة الحقيقية لا تزال تُقاس بما ستنتجه على الأرض.
والقلق الكردي مشروع أيضاً
في المقابل، هناك سؤال كردي أكثر عمقاً وإيلاماً:
كيف يمكن لقوة عسكرية وسياسية حظيت في مرحلة سابقة بدعم شعبي كردي واسع، وتحولت إلى عنوان لقضية سياسية تجاوز صداها حدود سوريا، أن تنتهي في نهاية المطاف إلى صيغة تبدو فيها القيادة الكردية وكأنها تخلت عن بنيتها العسكرية السابقة؟
هذا السؤال لا ينبغي الاستهانة به أو التعامل معه باعتباره اعتراضاً عاطفياً.
فخلفه ذاكرة آلاف المقاتلين الذين سقطوا، وعائلات دفعت أثماناً باهظة، ومجتمع رأى في تلك المرحلة فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعه داخل سوريا.
ولهذا فإن الكرد لا يقيسون النتائج فقط بعدد المناصب أو شكل الزي العسكري أو موقع القائد في مؤسسة الدولة.
إنهم يقيسونها بسؤال أكثر جوهرية:
ماذا بقي من القضية السياسية بعد انتهاء الحرب؟
إذا بقي الاعتراف بالهوية والحقوق، والمشاركة السياسية، وضمانات دستورية، وإدارة محلية ذات صلاحيات حقيقية، وشراكة في مؤسسات الدولة، فإن الانتقال من السلاح إلى السياسة يمكن أن يكون مكسباً تاريخياً.
حلّ قسد أم إعادة تشكيل القوة الكردية؟
هنا تحديداً ينبغي التوقف أمام واحدة من أكثر النقاط التي أُسيء تفسيرها في الخطاب الإعلامي.
إذا كانت «قسد» قد انتهت كصيغة عسكرية مستقلة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن القوات الكردية نفسها قد اختفت وهذا تمييز جوهري
فقوات سوريا الديمقراطية كانت مظلة عسكرية متعددة المكونات، لعبت فيها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة دوراً محورياً، إلى جانب تشكيلات عربية وسريانية وغيرها.
وعليه، فإن انتهاء المظلة لا يعني بالضرورة اختفاء كل مكوّناتها أو انتهاء الخبرة العسكرية التي راكمتها القوات الكردية خلال سنوات طويلة.
وبحسب معطيات من قيادات في قسد، فإن الترتيبات الجديدة تتضمن بقاء تشكيلات كردية ضمن بنية عسكرية جديدة، في أربعة ألوية، مع دراسة وإنشاء لواء خامس مخصص لعفرين، بما يعني أن عملية إعادة التنظيم لم تُغلق بعد.

وهنا يصبح التعبير الأدق:
لقد حُلّت صيغة «قسد»، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حلّ القوة الكردية.
ما انتهى هو الإطار العسكري الجامع الذي ضم القوات العربية والكردية والسريانية تحت اسم واحد؛ أما السؤال الحقيقي فهو كيف ستُعاد هندسة القوات الكردية داخل بنية الدولة السورية الجديدة.
وهذا فرق استراتيجي كبير.
فالحديث عن «حل قسد» باعتباره «استسلاماً كردياً» يتجاهل السؤال الأهم:
ماذا بقي بعد قسد؟
إذا بقيت قوات كردية منظمة، وأعيد توزيعها ضمن مؤسسات الدولة، فإننا أمام انتقال من صيغة عسكرية مستقلة إلى صيغة جديدة داخل الدولة، وليس أمام اختفاء كامل للقوة الكردية.
وهنا يتحول التحدي من حماية الأرض بقوة مستقلة إلى ضمان أن تكون الدولة نفسها قادرة على حماية تلك المناطق وسكانها، وأن يحتفظ أبناء تلك المناطق بدور حقيقي في منظومة الأمن والدفاع.
عفرين واللواء الخامس:
الجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها
ويكتسب الحديث عن اللواء الخامس، الجاري بحث إنشائه وتخصيصه لعفرين، أهمية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
فعفرين ليست مجرد نقطة على الخريطة.
إنها واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوجدان السياسي الكردي السوري، ولذلك فإن إدراجها في ترتيبات عسكرية جديدة يحمل دلالة سياسية تتعلق بمستقبل المنطقة وسكانها وحقهم في الأمن والعودة والاستقرار
ومن منظور جيوسياسي، فإن وجود عفرين في صلب النقاش العسكري يعني أن خريطة الترتيبات الجديدة لا تتعلق فقط بالمناطق التي كانت تحت إدارة الإدارة الذاتية، وإنما تتصل أيضاً بالمناطق الكردية التي خرجت من سيطرتها خلال سنوات الحرب
وهذا يجعل مسألة حماية الجغرافيا الكردية جزءاً من الاختبار الحقيقي للاتفاق.
فإذا كانت الترتيبات الجديدة قادرة على إنتاج أمن مستقر لجميع سكان هذه المناطق، بعيداً عن منطق الانتقام أو التغيير الديمغرافي، فإنها قد تصبح خطوة نحو معالجة أحد أكثر الملفات السورية تعقيداً
أما إذا بقيت الجغرافيا الكردية موزعة بين ترتيبات أمنية متعارضة، فستظل قضية الأمن والعودة والحقوق من أكبر مصادر التوتر في المستقبل..
اللغة الكردية: أبعد من «حصتين أسبوعياً»

وفي الملف الثقافي والتعليمي، ظهرت أيضاً قراءات إعلامية اختزلت قضية اللغة الكردية في عدد محدود من الحصص الأسبوعية، وكأن المسألة انتهت عند هذا الحد.
وهذه قراءة لا تعكس بالضرورة عمق التحول الذي يطالب به الكرد.
فالاعتراف باللغة الكردية لا يتعلق فقط بعدد الساعات المخصصة لتدريسها، وإنما بمكانتها داخل المنظومة التعليمية والثقافية.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها بعد تواصلي مع قسم المناهج الكردية في روجافا، فإن المناهج الكردية ستبقى باللغة الكردية، في حين ستكون الأفرع العلمية باللغة العربية.
وهذا التفصيل مهم جداً.
فالمسألة هنا ليست مجرد إضافة اللغة الكردية إلى جدول دراسي، وإنما استمرار منظومة تعليمية لها مناهجها ولغتها، مع استخدام العربية في الاختصاصات العلمية.
وهذا يفتح الباب أمام صيغة يمكن أن تجمع بين الحفاظ على اللغة الأم وبين الاندماج في المنظومة التعليمية السورية الأوسع.
فاللغة ليست مادة دراسية فحسب.
إنها ذاكرة وهوية وثقافة وإنتاج معرفة.
ومن هنا فإن استمرار المناهج الكردية باللغة الكردية يمثل، في حال تثبيته وتنفيذه مؤسسياً، انتقالاً من مجرد الاعتراف الرمزي إلى الحفاظ على حضور اللغة في المؤسسة التعليمية نفسها.
من المدارس إلى الجامعات: الاختبار الأبعد
لكن التعليم المدرسي ليس سوى بداية الطريق.
فاللغة التي تريد أن تبقى حية في المجتمع تحتاج إلى أكثر من كتاب مدرسي؛ تحتاج إلى معلمين، ومؤسسات، وبحث علمي، وإنتاج ثقافي، وإعلام، وتعليم عالٍ.
ولهذا سيكون ملف الجامعات والتعليم العالي أحد الاختبارات المهمة للمرحلة المقبلة.
فكلما اتسع مجال استخدام اللغة الكردية في التعليم والثقافة والمؤسسات الأكاديمية، أصبح الاعتراف بها أكثر رسوخاً وأقل قابلية للتراجع

أما إذا بقي الاعتراف في حدود ضيقة، فسيكون التقدم مهماً لكنه لن يرقى إلى مستوى التحول التاريخي الذي ينتظره المجتمع الكردي.
وهنا مرة أخرى تظهر أهمية التنفيذ.
فالحقوق لا تُقاس فقط بما يُعلن عنها، وإنما بما يصبح جزءاً من الحياة اليومية للمواطن
.
من بغداد إلى دمشق:
درس كردي عراقي يستحق التوقف
وهنا تبرز تجربة العراق بعد سقوط بغداد عام 2003 باعتبارها واحدة من أهم التجارب التي يمكن استحضارها لفهم اللحظة السورية الراهنة، مع التأكيد أن التشابه هنا هو في منطق التفاوض على الدولة الجديدة، وليس في التركيبة الديمغرافية أو الظروف التاريخية.
بعد سقوط النظام العراقي، لم يقف الكرد العراقيون خارج عملية إعادة بناء الدولة، بل دخلوا إلى قلبها.
وكان مسعود بارزاني وجلال طالباني في مقدمة القيادة السياسية الكردية التي تفاوضت مع القوى العراقية العربية، بمختلف أطيافها، حول شكل العراق الجديد.
كان السؤال آنذاك يتجاوز مسألة مشاركة الكرد في السلطة إلى سؤال أكبر:
أي عراق سيخرج من أنقاض النظام السابق؟
لم يكن الخيار الكردي مجرد الانفصال عن العراق، كما لم يكن القبول بالدولة العراقية يعني التخلي عن الخصوصية الكردية.
وبمرور المفاوضات، تحولت القضية من سؤال «هل يكون الكرد داخل العراق؟» إلى سؤال أكثر عمقاً:
كيف سيكون العراق الذي يكون الكرد جزءاً منه؟
وهذه النقلة السياسية بالذات تستحق التأمل في الحالة السورية.
فالكرد العراقيون استطاعوا، عبر التفاوض السياسي والدستوري، تحويل جزء كبير من واقعهم السياسي إلى مؤسسات وحقوق دستورية، وصولاً إلى ترسيخ الفيدرالية وموقع إقليم كردستان داخل الدولة العراقية.
وهنا تكمن إحدى أهم دروس التجربة العراقية:
قبول الكرد بالبقاء داخل دولة واحدة لا يعني بالضرورة قبولهم ببقاء الدولة على شكلها القديم.
يمكن أن يكون الاندماج نفسه وسيلة لإعادة تعريف الدولة.
وهذا هو السؤال الذي يمكن أن يُطرح اليوم في سوريا
ليس فقط:
هل نندمج في سوريا؟
بل: في أي سوريا نندمج؟
الفرق بين التجربتين مهم
مع ذلك، فإن إسقاط التجربة العراقية على سوريا بصورة حرفية سيكون خطأً سياسياً ومنهجياً.
العراق عام 2003 خرج من حرب وغزو واحتلال وتغيير نظام بقرار عسكري خارجي، بينما الحالة السورية تشكلت عبر مسار داخلي وإقليمي ودولي مختلف تماماً.
كما أن الوزن الديمغرافي والجغرافي للكرد في العراق يختلف عن وضع الكرد في سوريا، وكذلك طبيعة الإقليم، والحدود، والموارد، والبنية السياسية، والعلاقات الإقليمية.
لكن ما يمكن استحضاره من العراق ليس النموذج، وإنما المنهج السياسي:
الانتقال من سؤال القوة العسكرية إلى سؤال الدستور؛ ومن السيطرة الميدانية إلى النفوذ السياسي؛ ومن حماية المناطق إلى حماية الحقوق داخل بنية الدولة.
وهنا تصبح تجربة العراق درساً، لا وصفة جاهزة

قصر الشعب
صورة لها ما وراء الصورة
ومن هنا تكتسب صورة الإعلان من قصر الشعب في دمشق أهمية رمزية كبيرة.
في السياسة، المكان ليس تفصيلاً دائماً.
فالانتقال من فضاءات التفاوض غير الرسمية، ومن ساحات السيطرة العسكرية والإدارة المحلية، إلى قلب مؤسسة السلطة في العاصمة، يحمل رسالة واضحة:
المعادلة الجديدة تريد أن تُقدَّم باعتبارها جزءاً من إعادة بناء الدولة السورية، وليس استمراراً لكيان منفصل عنها لكن لهذه الصورة وجهاً آخر.
فإذا كان القصر يمثل الدولة المركزية، فإن وجود الطرف الكردي داخله يمكن أن يُقرأ أيضاً باعتباره اعترافاً بأن القوة السياسية والعسكرية التي نشأت خارج المركز أصبحت جزءاً من عملية إعادة تعريف الدولة نفسها.
قد يرى البعض في الصورة دخول الكرد إلى النظام المركزي.
لكن يمكن أن يراها آخرون دخولاً كردياً إلى قلب عملية صياغة النظام الجديد.
والفارق بين القراءتين لن تحدده الصورة، وإنما النتائج التي ستأتي بعدها.
منطق المنتصر والمهزوم لم يعد كافياً
ربما يكون أكبر خطأ في قراءة المرحلة هو الإصرار على سؤال: من انتصر ومن انهزم؟
في الجغرافيا السياسية، ليست كل التسويات استسلاماً، وليست كل التسويات انتصاراً.
هناك اتفاقات يخرج منها الطرفان بتنازلات، لكن أحدهما يستطيع أن يحول تلك التنازلات إلى مكاسب استراتيجية بعيدة المدى.
لذلك فإن السؤال الحقيقي هو:
هل استطاع الطرف الكردي تحويل ميزان القوة الذي امتلكه خلال سنوات الحرب إلى نفوذ سياسي مستدام؟
وهل تستطيع دمشق، في المقابل، أن تنتقل من مفهوم استعادة السيطرة إلى مفهوم بناء دولة تستوعب تعدد مكوناتها؟
إذا استطاع الطرفان ذلك، فإن الاتفاق قد يكون أكبر من مجرد ترتيب أمني.
قد يكون بداية لتأسيس سوريا مختلفة.
ما لم يُعلن بعد قد يكون أهم مما أُعلن
ربما هنا تكمن أكثر النقاط حساسية.
البيانات الرسمية تخبرنا بما تم الاتفاق على إظهاره.
أما السياسة الحقيقية، فكثيراً ما تبدأ في المساحات التي لا تظهر في البيانات.
هناك تفاهمات تحتاج إلى وقت، وضمانات قد تكون غير مكتوبة، وترتيبات أمنية وسياسية، ورسائل إقليمية ودولية، وحسابات تتعلق بمستقبل الدولة السورية نفسها.
ولهذا فإن إعلان الجنرال من قصر الشعب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية القصة.
بل ربما يكون إعلان الانتقال من الفصل العسكري إلى الفصل السياسي.
وفي هذا الفصل الجديد لن يكون السؤال من حمل السلاح أكثر، وإنما من يمتلك القدرة على التفاوض، وبناء المؤسسات، وصياغة الضمانات، والحفاظ على التوازنات
فالتاريخ الكردي، كما التاريخ السوري والعراقي، يعلّمنا أن اللحظة التي تبدو هادئة قد تكون أحياناً أكثر حساسية من لحظة الحرب
الحرب تحدد مواقع القوى بالسلاح.
أما السياسة، فهي التي تحدد من يبقى له موقع على خريطة المستقبل.
ليس السؤال هل اندمج الكرد، بل ماذا ستصبح سوريا؟
في النهاية، ربما يكون اختزال المشهد في عبارة «حل قسد» أو «استسلام الكرد» أكبر من قدرة هذه العبارة على تفسير ما يجري
فما يحدث يبدو أقرب إلى إعادة هندسة عميقة للعلاقة بين القوة الكردية والدولة السورية
انتهت صيغة عسكرية، لكن عناصر القوة الكردية لم تختفِ بالضرورة.
تغيرت البنية العسكرية، لكن القضية السياسية لم تنتهِ.
دخلت القيادة الكردية إلى قصر الشعب، لكن ذلك لا يعني أن مستقبل الشراكة قد حُسم.
دخلت اللغة الكردية مسار الاعتراف الرسمي، لكن معركة تثبيت هذا الاعتراف في المدارس والمؤسسات والتعليم العالي لا تزال مفتوحة
ولهذا فإن الحكم على الاتفاق اليوم سيكون متسرعاً
الاختبار الحقيقي ليس في صورة الجنرال داخل قصر الشعب، ولا في بيانات المنتصرين والمهزومين على وسائل التواصل
الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت السنوات الطويلة من الحرب والتضحيات ستتحول إلى حقوق سياسية وثقافية ومؤسساتية مستدامة
وإذا كان درس بغداد بعد 2003 يصلح هنا، فهو أن السؤال لم يكن في النهاية:
هل بقي الكرد داخل العراق؟
بل:
أي عراق سيعيش فيه الكرد؟
واليوم، فإن السؤال السوري المقابل أكثر أهمية:
ليس هل ستكون قامشلو جزءاً من سوريا، فهذا أمر يمكن الاتفاق عليه؛ بل أي سوريا ستخرج من هذا الاتفاق؟
هل ستكون سوريا مركزية تستوعب الكرد بوصفهم أفراداً في مؤسساتها؟
أم سوريا جديدة تعترف بتعدد مكوناتها، وتمنحهم موقع الشريك في صياغة الدولة، وتحول الاندماج من عملية استيعاب إلى عقد وطني متبادل؟
هنا تحديداً سيحكم التاريخ على ما يجري.
ليس يوم الإعلان.
ولا في قصر الشعب.
بل في السنوات التي ستأتي بعده

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

الجنس المباح لدى العلويين!

أخباركم - أخبارنا عن صفحة الفيسبوك للكاتبة السورية علا عباس لم نكن ملزمات كنساء علويات...

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

حين أبحث في الجريدة الشيوعية عن الشيوعية.. من بائع الصحيفة إلى ملف الـPDF!

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد تصلني من حين إلى آخر صحف الأحزاب الشيوعية بصيغة PDF....

حين يُدفن الجلاد بطلاً: ماذا نقول لضحايا راتكو ملاديتش؟

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد أكثر ما صدمني في مشهد جنازة راتكو ملاديتش لم...

More like this

النبطية التي كانت المقاومة فيها تحمي الناس… لا تتركهم للعدو

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد إلى الرفاق الأحبة في النبطية، من بقي منهم في المدينة...

موازنة بلا إصلاح مالي: من لا يجيد إدارة الأزمة فليرحل

أخباركم - أخبارنا/ د. وفيق ريحان إن طرح مشروع الموازنة على مجلس الوزراء بهذه...

الكتلة التاريخية وإنقاذ لبنان من مخالب الصراع الإقليمي!

أخباركم - أخبارنا / أكرم محمود مقدمة: جغرافيا القدر وبحثاً عن المخرجعاش لبنان عقوداً طويلة...