أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد
تتداول أوساط عراقية وحزبية معلومات عن احتمال طرح تعديل على النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي، بما يتيح تجديد ولاية سكرتير اللجنة المركزية الحالي، الرفيق رائد فهمي، لدورة ثالثة.
وحتى هذه اللحظة، لا أتعامل مع هذه المعلومات بوصفها قراراً متخذاً، ولا أريد أن أحمّل قيادة الحزب أو الرفيق رائد فهمي موقفاً لم يصدر عنهما رسمياً. فالمؤتمر الوطني الثاني عشر لم يقل كلمته بعد، وأي تعديل للنظام الداخلي، إن طُرح، يبقى مشروعاً من حق الرفاق مناقشته، ومن حق المؤتمر قبوله أو رفضه.
ولهذا أكتب الآن، لا بعد صدور القرار.
أكتب بروح النقاش الرفاقي، ومن موقع الحرص على حزب له مكانة خاصة في التاريخ السياسي العراقي، لأن القضية في تقديري تتجاوز اسم رائد فهمي وموقع السكرتير، وتتعلق بمعنى التجديد والديمقراطية الداخلية وصورة الحزب أمام أعضائه وأصدقائه والرأي العام العراقي.
إلى حزب فهد وحازم وصارم وسلام عادل
هذا نداء محبة وحرص، وليس خصومة.
إنه نداء إلى حزب يوسف سلمان يوسف «فهد»، مؤسس الحزب وأحد أبرز رموزه التاريخيين، وإلى رفيقيه زكي بسيم «حازم» وحسين محمد الشبيبي «صارم»، الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم.
وهو نداء إلى حزب سلام عادل، حسين أحمد الرضي، الذي تحول إلى رمز في ذاكرة الشيوعيين العراقيين بعد مقتله تحت التعذيب عقب انقلاب شباط 1963.
وإلى حزب أجيال من المناضلين والمثقفين والعمال والفلاحين الذين عرفوا السجون والملاحقات والمنافي.
وإلى الأنصار الذين حملوا السلاح في جبال كردستان في مواجهة دكتاتورية صدام حسين، وإلى العائلات التي فقدت أبناءها، وإلى رفاق ظلوا، رغم كل ما أصابهم، يؤمنون بأن العراق يستحق دولة أكثر عدلاً وحرية.
لهذا التاريخ بالذات أتمنى من الرفاق أن يتوقفوا طويلاً عند أي مقترح يمس مبدأ تداول المسؤولية في قيادة الحزب.
ليس لأنني أشك في نوايا أحد، بل لأن الأحزاب صاحبة التاريخ الكبير تتحمل أيضاً مسؤولية كبيرة تجاه المعايير التي أرستها بنفسها.
المسألة ليست رائد فهمي
من المهم جداً ألا يتحول هذا النقاش إلى موقف شخصي من الرفيق رائد فهمي.
له تجربته السياسية، وله حضوره واحترامه داخل الحزب وخارجه، ويمكن للرفاق أن يختلفوا أو يتفقوا في تقييم أدائه، وهذا أمر طبيعي في أي حزب سياسي.
بل يمكن القول إن قيمة النقاش تظهر تحديداً إذا كان السكرتير موضع ثقة واحترام.
فالديمقراطية ليست آلية نستخدمها فقط لاستبدال المسؤول الذي أخفق. قيمتها الحقيقية تظهر عندما يكون المسؤول ناجحاً أو مقبولاً، ومع ذلك تبقى القاعدة التنظيمية أقوى من الرغبة في استمراره.
عندها نقول:
أدى الرفيق دوره، وقدم ما يستطيع، وستظل خبرته في خدمة الحزب، لكن التداول والتجديد يقتضيان انتقال المسؤولية إلى رفيق آخر.
وهذا لا ينتقص من السابق، بل قد يكون أفضل تكريم لتجربته.
ماذا يقول النظام الداخلي؟
المسألة ليست مجرد اجتهاد من خارج الحزب، فالنظام الداخلي النافذ وضع قاعدة واضحة بشأن موقع سكرتير اللجنة المركزية.
وقد نصت المادة (25)، الفقرة (5) من النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي، في معرض تنظيم عمل اللجنة المركزية، على انتخاب سكرتير اللجنة المركزية:
«لدورتين متتاليتين فقط».
إنها عبارة واضحة في معناها التنظيمي.
الحزب اختار بنفسه تحديد شغل موقع السكرتير بدورتين متتاليتين، ويمكن فهم هذا الخيار في إطار الحرص على التداول والتجديد وعدم ارتباط الموقع القيادي الأعلى بشخص واحد لمدة مفتوحة.
وفي المقابل، يجب الاعتراف بوضوح بأن النظام الداخلي نفسه يمنح المؤتمر الوطني صلاحياته في إقرار النظام وتعديله. ومن ثم فإن من حق الرفاق، من الناحية التنظيمية، تقديم مقترح بالتعديل، ومن حق المؤتمر أن يناقشه ويتخذ قراره بشأنه.
وهنا أعتقد أن علينا الفصل بين أمرين:
الحق التنظيمي في التعديل، والحكمة السياسية في استخدام هذا الحق في هذه اللحظة بالذات.
ليس السؤال: هل يستطيع المؤتمر تعديل المادة؟
بالتأكيد يستطيع وفق الآليات المقررة.
السؤال الذي يستحق نقاشاً أعمق هو:
هل من مصلحة الحزب أن يغير قاعدة الدورتين في اللحظة التي وصل فيها السكرتير الحالي إلى نهايتهما؟
وإذا كان هناك اقتناع تنظيمي جديد بأن تحديد ولاية السكرتير بدورتين لم يعد مناسباً، فمن المفيد أن تُعرض الأسباب بوضوح أمام أعضاء الحزب، وأن يكون النقاش حول المبدأ نفسه، لا حول الشخص الذي يشغل الموقع اليوم.
فكلما كانت الأسباب معلنة والنقاش مفتوحاً، ابتعد الحزب عن أي انطباع بأن القواعد تتغير لخدمة حالة فردية.
قوة الحزب في أن تكون المؤسسة أكبر من الجميع
أتمنى أن يُفهم هذا الكلام في سياقه الصحيح.
لا أقول إن هناك من يريد اختطاف الحزب، ولا أن المؤتمر سيأتي ليصادق على قرار جاهز، ولا أن الرفيق رائد فهمي يسعى شخصياً إلى تغيير النظام كي يبقى.
لا أملك ما يسمح لي بقول ذلك، ولا أريد أن أبني نقداً على افتراضات.
لكنني أقول إن الأحزاب الديمقراطية تحتاج، إضافة إلى سلامة الإجراءات، إلى الانتباه أيضاً إلى الرسالة السياسية التي تبعث بها قراراتها.
فعندما تحدد مؤسسة سياسية ولاية مسؤولها بدورتين، ثم تبحث في تغيير هذا التحديد عند نهاية الدورة الثانية، فمن الطبيعي أن تنشأ أسئلة لدى أعضائها وأصدقائها والرأي العام.
والرد الأفضل على هذه الأسئلة ليس التخوين ولا إسكات النقاش، وإنما المزيد من الشفافية والحوار.
هذا بالضبط ما يليق بحزب يمتلك هذه التجربة الطويلة.
الديمقراطية التي نريدها للعراق تبدأ أيضاً من أحزابنا
الحزب الشيوعي العراقي من القوى التي دافعت طويلاً عن الدولة المدنية الديمقراطية، وعن الحريات العامة، وعن مواجهة المحاصصة والفساد والاستئثار بالسلطة.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون التجربة التنظيمية الداخلية للحزب نموذجاً يعزز خطابه في المجتمع.
ولا أقصد هنا المساواة بين الدولة والحزب السياسي؛ فالدولة شيء والحزب شيء آخر، ودستور البلاد ليس نظاماً داخلياً لحزب.
لكن هناك قيمة مشتركة اسمها ثقافة التداول.
عندما نطالب في العراق بمؤسسات أقوى من الأشخاص، يصبح من المفيد أن نقدم داخل أحزابنا أيضاً أمثلة على أن الموقع مسؤولية مؤقتة وليس امتيازاً دائماً.
وهنا يستطيع الحزب الشيوعي أن يقدم مثالاً مهماً:
أن ينتقل موقع السكرتير بين رفاقه بصورة طبيعية وهادئة، بينما يبقى السكرتير السابق حاضراً بخبرته ومكانته السياسية والفكرية.
ذلك لا يضعف القيادة، بل يقوي المؤسسة.
التجديد لا يعني القطيعة
وقد يكون لدى بعض الرفاق تخوف مشروع: لماذا نستبدل قيادة تمتلك الخبرة في ظرف عراقي شديد التعقيد؟
هذا سؤال يستحق الاحترام.
لكن التجديد لا يعني رمي الخبرة جانباً.
رائد فهمي، أو أي سكرتير سابق، لا يفقد قيمته السياسية بمجرد مغادرة منصب السكرتير. يستطيع أن يبقى في موقع قيادي أو استشاري أو فكري، وأن يساهم في صياغة السياسات وفي نقل خبرته إلى قيادة جديدة.
بل إن إحدى علامات نضج المؤسسات هي قدرتها على الجمع بين تجديد القيادة واستمرار الخبرة.
لا نحتاج إلى الاختيار بينهما.
ومن هنا ربما يستطيع الحزب أن يقدم تجربة جميلة: قيادة جديدة تستفيد من تجربة القيادة السابقة، بدلاً من أن يبدو التغيير وكأنه إقصاء، أو الاستمرار وكأنه ضرورة لا بديل لها.
المؤتمر مساحة للنقاش وليس ساحة للانقسام
أتمنى أن يكون المؤتمر المقبل فرصة حقيقية للنقاش الهادئ بين الرفاق.
من حق من يؤيد التعديل أن يعرض أسبابه.
ومن حق من يعارضه أن يشرح مخاوفه.
ومن حق المندوبين أن يقرروا في النهاية وفق قناعاتهم.
ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف حول هذه المسألة إلى تصنيف بين «مخلصين» و«معارضين»، أو بين «حريصين» و«خصوم».
كلا الطرفين قد ينطلق من الحرص على الحزب، لكنه يرى الطريق بصورة مختلفة.
وهذه هي الثقافة التي يحتاجها اليسار العراقي اليوم أكثر من أي وقت مضى: أن نختلف من دون أن نفسد للرفقة قضية.
فالنقد ليس عداءً.
والتحفظ ليس تمرداً.
والسؤال ليس إساءة.
والقيادة التي تستمع إلى النقد تصبح أقوى، لا أضعف.
العراق يحتاج إلى الحزب الشيوعي
سبب كتابتي ليس الرغبة في تسجيل نقطة على الحزب.
العكس هو الصحيح.
في عراق المحاصصة والفساد وضعف الثقة بالأحزاب، يحتاج البلد إلى قوى سياسية تمتلك تاريخاً وتقاليد نضالية، وتستطيع في الوقت نفسه تجديد نفسها.
والحزب الشيوعي العراقي لديه رصيد مهم.
يمكن للمرء أن يختلف معه في سياسات وتحالفات وقرارات كثيرة، لكن يصعب تجاهل التضحيات التي قدمها الشيوعيون العراقيون عبر عقود.
وفي هذه الأيام، نرى أيضاً حالة تضامن لافتة مع الحزب في مشروع بناء مقره عبر التبرعات.
هذه الصورة لها قيمة معنوية كبيرة:
حزب يدعو رفاقه وأصدقاءه ومؤيديه إلى المساهمة في بناء بيته، في بلد شوه فيه المال السياسي كثيراً من الحياة الحزبية.
إن هذا الرصيد يستحق الحفاظ عليه وتنميته.
ومن هنا تأتي دعوتي إلى التفكير ملياً في أي تعديل يمكن أن يثير انطباعاً، صحيحاً كان أم غير صحيح، بأن النظام الداخلي يجري تغييره كي يستمر شخص بعينه.
أحياناً لا تكفي سلامة النية؛ المهم أيضاً كيف يقرأ المجتمع القرار.
رائد فهمي يستطيع أن يقدم للحزب مثالاً آخر
إذا انتهت الدورتان المنصوص عليهما في النظام الداخلي، فإن انتقال الرفيق رائد فهمي من موقع السكرتير يمكن أن يتحول، بحد ذاته، إلى موقف سياسي يحسب له.
ليس خروجاً من الحياة السياسية.
وليس نهاية لدوره.
وليس حكماً سلبياً على تجربته.
بل يمكن أن يكون انتقالاً من مسؤولية إلى أخرى، مع دعم سكرتير جديد وقيادة جديدة.
وتصوروا دلالة أن يقف السكرتير المنتهية ولايته إلى جانب خليفته المنتخب ويقول للناس:
هذه هي مؤسستنا، تتغير المسؤوليات ويبقى الرفاق ويبقى الحزب.
أليست هذه رسالة قوية للعراقيين؟
ألا تخدم الحزب أكثر من أي خطاب نظري عن التداول؟
دعوة إلى الرفاق
أيها الرفاق،
أنتم أدرى بحزبكم منا.
وأنتم أصحاب القرار في مؤتمركم.
وهذا الحزب ليس ملكاً لسكرتير، ولا للجنة مركزية، ولا لجيل واحد. إنه حصيلة أجيال متعاقبة دفعت أثماناً كبيرة كي يبقى.
لذلك فإن دعوتي ليست إلى رفض النقاش في التعديل، فحتى النصوص التنظيمية ليست مقدسة، ومن حق أي حزب مراجعة أنظمته عندما تتغير الظروف.
الدعوة هي إلى أن تكون المراجعة نابعة من حاجة تنظيمية عامة وواضحة ومستقبلية، لا مرتبطة بظرف شخص بعينه.
وإذا رأى المؤتمر ضرورة تغيير مبدأ الدورتين، فمن المفيد أيضاً مناقشة ضمانات تمنع أن يُفهم التعديل على أنه معالجة لحالة راهنة.
فالديمقراطية ليست نصاً وحسب؛ إنها أيضاً بناء للثقة.
رسالة من رفيق محب لكم
أنا لا أكتب ضد الحزب الشيوعي العراقي.
ولا أكتب متشفياً به أو باحثاً عن ثغرة في تاريخه.
أكتب كرفيق محب لكم، يتمنى أن يرى حزب فهد وسلام عادل والأنصار والسجون والمنافي أكثر قوة، وأكثر حضوراً، وأكثر قدرة على التواصل مع الأجيال الجديدة.
وإذا كانت المعلومات المتداولة عن فتح الطريق لدورة ثالثة غير صحيحة، فذلك أمر يسعدني.
أما إذا كان المقترح موجوداً بالفعل، فأتمنى أن يناقشه الرفاق بروح هادئة ومسؤولة، وأن يسأل المندوب نفسه قبل التصويت:
هل يخدم هذا التعديل المؤسسة على المدى الطويل، أم أن الالتزام بالتداول سيكون أكثر انسجاماً مع ما نريده لحزبنا وللعراق؟
لا أحد يملك وحده الإجابة.
لكن من حق الحزب، ومن حق رفاقه، أن يطرحوا السؤال.
العراق يحتاج إلى الحزب الشيوعي.
يحتاج إلى تاريخه، وإلى صوته في مواجهة الفساد والطائفية والمحاصصة، وإلى تجربته السياسية والثقافية، لكنه يحتاجه أيضاً متجدداً وقادراً على تقديم نموذج في الحياة الداخلية التي يدعو إليها في الحياة العامة.
ولهذا أقولها بمحبة رفاقية:
حافظوا على قوة المؤسسة، وجدّدوا دماء القيادة، واستفيدوا من خبرة من سبق، وافتحوا الطريق لمن يأتي بعده.
فالحزب القوي ليس الحزب الذي لا يغيّر قادته.
الحزب القوي هو الذي يغيّرهم من دون أن يهتز، ويختلف رفاقه من دون أن ينقسموا، ويتداولون المسؤولية من دون أن يخسروا بعضهم بعضاً.
الأشخاص يقدمون للحزب أعمارهم وتجاربهم، أما الحزب والمبدأ والمؤسسة فتبقى.



